ومن الالتفاتِ - إلاّ كونه عَكْسَ هذا - قولُه تبارك وتعالى: {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم}
[يونس: 22] ولم يَقُلْ:"بكم"؛ وقد التفتَ أمرؤ القَيْسِ ثَلاثَ التفاتاتٍ فِي قوله: [المتقارب] .
تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بَالأَثْمُدِ...
وَنَامَ الخَلِيليُّ وَلَمْ تَرْقُدِ
وَبَاتَ وبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ...
كَلَيْلَةٍ دِي العَائِرِ الأرْمَدِ
وَذَلِكَ مِنْ نَبَأٍ جَاءنِي...
وَخُبِّرْتُهُ عَن أَبِي الأَسْوَدِ
وقد خطَّأَ بعضُهم الزمخشريَّ - رحمه الله تعالى - فِي جَعْلِهِ هذا ثَلاثةَ التفاتَاتٍ ، وقال: بل هما التفاتان:
أحدُهما: خُروجٌ مِنَ الخِطابِ به فِي قولِهِ:"لَيْلُك"، إلى الغَيْبَةِ فِي قوله:"وبَاتَتْ له لَيْلَةٌ".
والثاني: الخروجُ من هذه الغيبةِ إلى التكلِّم ، فِي قولِه:"مِنْ نَبَأ جَاءَنِي وخُبِّرْتُهُ".
والجوابُ: أَنَّ قولَه أَوّلاً:"تَطَاوَلَ لَيْلُك"فيه التفاتٌ ؛ لأنه كان أصل الكلامِ أَنْ يقولَ:"تطاول لَيْلِي"؛ لأنه هو المقصودُ ، فالتفتَ مِنْ مقامِ التكلُّمِ إلى مقامِ الخِطَابِ ، ومن مقامِ الخِطَابِ إلى الغيبة ، ثمَّ مِنَ الغيبةِ إلى التكلُّمِ الذي هو الأصل.
وقُرِىءَ شاذّاً:"إِيَّاكَ يُعْبَدُ"على بنائِهِ للمفعول الغائب ؛ ووجهُها على إشْكَالِها: أن فيها استعارةً والتفاتاً:
أما الاستعارةُ: [فإنه استُعِير] فيها ضميرُ النصبِ لضمير الرفْع ، والأصل: أنت تُعْبَدُ ، وهو شائع ؛ كقولِهم:"عَسَاكَ ، وعَسَاهُ ، وعَسَانِي"فِي أحدِ الأقوالِ ؛ وقول الآخر: [الرجز]
يا ابْنَ الزُّبَيْرِ طَالَمَا عَصَيْكَا...
وَطَالَمَا عَنِّيْتَنَا إِلَيْكَا
فالكافُ فِي"عَصَيْكَا"نائبةٌ عن التاءِ ، والأصل:"عَصَيْتَ".