ومعنى المضارع المشابه ، يعني: أنه أشبه الاسمَ فِي حركاتِهِ ، وسكناتِهِ ، وعدَدَ حُرُوفِهِ ، ألاَ تَرَى أَنَّ"ضَارِباً"يُشْبِهُ"يَضْرِب"فيما ذكرت ، وأنه يشيع ويختصُّ فِي الأزمانِ كما يشيعُ الاسمُ ، ويختص فِي الأَشْخاصِ ، وفَاعِلُهُ مستترٌ وُجُوباً لما مرَّ فِي الاستعاذة.
والعبادَةُ: غايةُ التذللِ ، ولا يستحقُّها إلا مَنْ له غاية الإفْضَالِ ، وهو الباري - تعالى - وهو أبلغ من العُبُودِيَِّة إظهار التذلُّلِ ، ويُقالُ: طريقٌ مُعَبَّدٌ ، أَيْ: مُذَلَّلٌ بالوطْء فيه.
وقال طَرَفة فِي ذلك: [الطويل]
تُبَاري عِتَاقاً نَاجِيَاتٍ وَأُتْبِعَتْ...
وَظِيفاً فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ
ومنه: العَبْدُ ؛ لِذلَّتِهِ ، وبَعيرٌ معبَّدٌ: أَيْ مُذلَّلٌ بِالقَطْرَان.
وقيل: العبادةُ التَّجَرُّدُ ، ويُقالُ: عَبَدْتُ اللهَ - بالتخفيف فقط - وعَبَّدْتُ الرجل - بالتشديدِ فقط ، أَيْ: ذللتُه ، واتخذتُه عبداً.
وفي قوله تعالى:"إيَّاكَ نَعْبُد"التفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطَابِ ، إِذْ لو جرى الكلامُ على اصله ، لَقِل: الحمد لله ، ثم قيل: إيَّاهُ نَعبدُ ، والالتفاتُ: نوعٌ مِن البلاغَةِ.
قال ابنُ الخَطيب - رحمه الله -: والفائدةُ فِي هذا الالتفاتِ وجوه:
أحدُها: أن المصلِّي كان أَجْنَبِيَّاً عند الشروعِ فِي الصَّلاةِ ، فلا جَرَمَ أَثْنَى على الله - تعالى - بألفاظ الغيبة ، إلى قوله:"يَوْمِ الدِّينِ"، ثم إنه تعالى كأنه قال له: حَمَدْتَنِي وأَقْرَرْتَ بكونِي إلهاً ، ربَّا ، رحماناً ، رحيماً ، مالكاً ليوم الدين ، فَنَعْمَ العبْدُ أنت ، فرفعنا الحجابَ ، وأبدلنا البُعْدَ بالقُرْبِ ، فتكلّم بالمخاطبة وقل: إياك نعبد.
الثاني: أنّ أحسنَ السؤالِ ما وقع على سبيلِ المُشَافَهَةِ ، [والسبب فيه أن الردَّ مِنَ الكريمِ إذا سُئِلَ] على سبيل المشَافهة والمخاطبة بَعِيدٌ.