والرابع: أنّ العبد إذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} حصل له الفخر، وذلك منزلة عظيمة، فيحصل بذلك العجب، فأردف ذلك بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ليزول ذلك العجب الحاصل بسبب تلك العبادة.
وفي «النسفي» : وأطلقت الاستعانة؛ لتتناول كلّ مستعان فيه، ويجوز أن يراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادات، ويكون قوله: {اهْدِنَا الصِّراطَ} بيانا للمطلوب منه المعونة، فكأنّه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: {اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ...} الخ. اهـ.
والمجيء بالنون في الفعلين؛ لقصد الإخبار من الداعي عن نفسه وعن جنسه من العباد. وقيل: إنّ المقام لمّا كان عظيما، لم يستقلّ به الواحد؛ استقصارا لنفسه، واستصغارا لها، فالمجيء بالنون؛ لقصد التواضع لا لتعظيم النفس، وتقديم المعمول على العامل في الفعلين؛ لقصد الاختصاص. وقيل:
للاهتمام، والصواب أنّه لهما، ولا تزاحم بين المقتضيات.
وكرّر {إِيَّاكَ} للتنصيص على اختصاصه تعالى بالاستعانة أيضا، والاستعانة: طلب العون، ويعدّى بالباء وبنفسه؛ أي: نطلب العون على عبادتك، أو على ما لا طاقة لنا به، أو على محاربة الشيطان المانع من عبادتك، أو في أمورنا بما يصلحنا في ديننا ودنيانا، والجامع للأقاويل: نسألك أن تعيننا على أداء الحقّ وإقامة الفروض، وتحمّل المكاره وطلب المصالح. والضمير المستكن في {نَعْبُدُ} ، وكذا في {نَسْتَعِينُ} للقارئ، ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة الجماعة، أو له ولسائر الموحدين، أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم، وخلط حاجته بحاجتهم، لعلّها تقبل ببركتها، وتجاب، ولهذا شرعت الجماعة.