ثمّ قوله {نَعْبُدُ} يحتمل أن يكون من العبادة، كما عليه تفسيرنا السابق، أو من العبودة. والعبادة: هي العابدية، والعبودة: هي العبدية، فمن العبادة: الصلاة بلا غفلة، والصوم بلا غيبة، والصدقة بلا منّة، والحج بلا إراءة، والغزو بلا سمعة، والعتق بلا أذيّة، والذّكر بلا ملالة، وسائر الطاعات بلا آفة. ومن العبودة: الرضى بلا خصومة، والصبر بلا شكاية، واليقين بلا شبهة، والشهود بلا غيبة، والإقبال بلا رجعة، والإيصال بلا قطيعة.
وخلاصة ما في الآية: أنّ الله سبحانه وتعالى قد أمرنا أن لا نعبد أحدا سواه. لأنّه المنفرد بالسلطان، فلا ينبغي أن يشاركه في العبادة سواه، ولا أن يعظم تعظيم المعبود غيره، كما أمرنا أن لا نستعين بمن دونه، ولا نطلب المعونة المتّمّمة للعمل، والموصلة إلى الثمرة المرجوّة إلّا منه فيما وراء الأسباب التي يمكننا كسبها وتحصيلها.
بيان هذا: أنّ الأعمال يتوقّف نجاحها على أسباب ربطتها الحكمة الإلهية بمسبّباتها، وجعلتها موصلة إليها، وعلى انتفاء موانع من شأنها أن تحول دونها، وقد أوتي الإنسان بما فطره الله عليه من العلم والمعرفة، كسب بعض الأسباب، ودفع بعض الموانع بقدر استعداده الذي أوتيه، وفي هذا القدر أمرنا أن نتعاون، ويساعد بعضنا بعضا، كما قال تعالى: {وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ} . فنحن نحضر الدواء مثلا؛ لشفاء المرضى، ونجلب السلاح والكراع، ونكثر الجند؛ لغلب العدوّ، ونضع في الأرض السماد، ونرويها ونقتلع منها الحشائش الضارّة؛ للخصب وتكثير الغلّة.