286] ، وقلت: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ( [البقرة: 185] وقلت:
(وما جعل عليكم فِي الدين من حرج( [الحج: 78] فمع هذه الأعذار الظاهرة ، والأسباب
القوية فكيف يجوز فِي حكمتك ، ورحمتك أن تذمني ، وتلعنني على شيء خلقته فيّ ؟
والسادس: جعلتني مرجوما ملعونا إما أن يكون بسبب جرم صدر مني ، أو لا
[يكون] بسبب جرم صدر مني .
فإن كان الأول ؛ فقد بطل الجبر ، وإن كان الثاني ، فهذا محض الظلم ؛ وأنت قلت:
)وما الله يريد ظلما للعباد ( [غافر: 31] فكيف يليق هذا بك ؟
فإن قال قائل: هذه الإشكالات إنما تلزم على قول من يقول بالجبر ، وأنا لا [أقول] بالجبر ، ولا بالقدر ، بل أقول: الحق حالة متوسطة بين الجبر والقدر ؛ وهو
الكسب .
فنقول: هذا ضعيف ؛ لأنه إما أن يكون لقدرة العبد أثر فِي الفعل على سبيل
الاستقلال ، أو لا يكون . فإن كان الأول ، فهو تمام بالاعتزال ، وإن كان الثاني ، فهو
الجبر المحض ، [والأسئلة] المذكورة واردة على هذا القول ، فكيف يعقل حصول
الواسطة .
قال أهل السنة والجماعة - رحمهم الله - أما الإشكالات التي ألزمتموها علينا ، فهي
بأسراها واردة عليكم من وجهين:
الأول: أن قدرة العبد إما أن تكون معينة لأحد الطرفين ، أو كانت صالحة للطرفين
معا ، فإن كان الأول ، فالجبر لازم ، وإن كان الثاني ، فرجحان أحد الطرفين على الآخر ، إما
أن يتوقف على المرجح ، أو لا يتوقف .
فإن كان الأول ، ففاعل ذلك المرجح يصير الفعل واجب الوقوع ، وعندما لا يفعله
يصير الفعل ممتنع الوقوع . وحينئذ يلزمكم كل ما ذكرتموه .
وأما الثاني: وهو أن يقال: إن رجحان أحد الطرفين على الآخر لا يتوقف على
مرجح ؛ فهذا باطل لوجهين:
الأول: أنه لو جاز لك ، لبطل الاستدلال [بترجح] أحد طرفي الممكن على الآخر
على وجود المرجح .
والثاني: أن بهذا التقدير يكون ذلك الرجحان واقعا على سبيل الاتفاق ، ولا يكون