الثاني: أنه إنما تعين هذا الذكر بهذا الموضع ؛ اقتداء بلفظ القرآن ؛ وهو قوله تعالى:
)وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله إنه سميع عليم ( [الأعراف: 200] .
فصل فِي احتجاج المعتزلة لإبطال الجبر
قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: قالت المعتزلة قوله:"أعوذ بالله"يبطل
القول بالجبر من وجوه:
الأول: أن قوله:"أعوذ بالله"اعتراف بكون العبد فاعلا ، لتلك الاستعاذة ، ولو كان
خالق الأعمال هو الله تعالى ، لامتنع كون العبد فاعلا ؛ لأن تحصيل الحاصل محال ، وأيضا
فإذا خلقه الله فِي العبد ، امتنع دفعه ، وإذا لم يخلقه الله فيه ، امتنع تحصيله ، فثبت أن
قوله:"أعوذ بالله"اعتراف بكون العبد موجدا لأفعال نفسه .
والثاني: أن الاستعاذة من الشيطان إنما تحسن إذا لم يكن الله تعالى ، خالقا للأمور
التي منها يستعاذ .
أما إذا كان الفاعل لها هو الله تعالى ، امتنع أن يستعاذ بالله منها ؛ لأن بهذا التقدير
يصير كأن العبد استعاذ بالله فِي غير ما يفعله الله تعالى .
والثالث: أن الاستعاذة بالله من المعاصي تدل على أن العبد غير راض بها ، ولو
كانت المعاصي تحصل بتخليق الله تعالى ، وقضائه ، وحكمه ، وجب أن العبد يكون راضيا
بها ؛ لما ثبت بالإجماع أن الرضا بقضاء الله تعالى واجب .
والرابع: أن الاستعاذة بالله من الشيطان إنما تحسن لو كانت تلك الوسوسة فعلا
للشيطان ، أما إذا كانت فعلا لله ، ولم يكن للشيطان فِي وجودها أثر ألبتة ، فكيف يستعاذ
من شر الشيطان ؟ بل الواجب أن يستعاذ على هذا التقدير من شر الله ؛ لإنه لا شر إلا من
قبله .
والخامس: أن الشيطان يقول إذا كنت ما فعلت شيئا أصلا ، وأنت يا إله الخلق
علمت صدور الوسوسة عني ، ولا قدرة لي على مخالفة قدرتك ، وحكمت بها علي ،
ولا قدرة لي على مخالفة حكمك ، ثم قلت: (لا يكلف الله نفسها إلا وسعها ([البقرة: