روي عن وهْب بن منبه أنه قال:"لله تعالى ثمانيةَ عشرَ ألفَ عالَم، والدنيا عالم منها"وإنما جُمِع بالواو والنون مع اختصاصِ ذلك بصفاتِ العُقلاء وما فِي حكمها من الأعلام لدلالته على معنى العَلَم، مع اعتبار تغليبِ العقلاء على غيرهم. واعلم أن عدم إطلاقِ اسم العالَم على كل واحد من تلك الآحادِ ليس إلا باعتبار الغلَبة والاصطلاح، وأما باعتبار الأصل فلا ريب فِي صحة الإطلاقِ قطعاً لتحقّق المصداقِ حتماً، فإنه كما يُستدل على الله سبحانه بمجموع ما سواه، وبكل جنسٍ من أجناسِه يُستدل عليه تعالى بكل جزءٍ من أجزاءِ ذلك المجموع، وبكل فردٍ من أفراد تلك الأجناس، لتحقّق الحاجةِ إلى المؤثِّر الواجب لذاته فِي الكُلِّ، فإنَّ كل ما ظهرَ فِي المظاهر مما عزَّ وهانَ وحضَرَ فِي هذه المحاضر كائناً ما كان دليلٌ لائح على الصانع المجيد، وسبيلٌ واضح إلى عالم التوحيد، وأما شمولُ ربوبيته عز وجل للكل فمما لا حاجة إلى بيانه، إذ لا شيء َ مما أحدق به نطاقُ الإمكان والوجود من العُلويات والسُفليات والمجرّدات والماديات والروحانيات والجسمانيات إلا وهو فِي حدّ ذاته بحيث لو فُرض انقطاعُ آثارِ التربية عنه آناً واحداً لما استقر له القرار، ولا اطمأنت به الدار، إلا فِي مطمورة العدم ومهاوي البوار، لكن يُفيضُ عليه من الجناب الأقدس، تعالى شأنُه وتقدس، فِي كل زمانٍ يمضي، وكل آنٍ يمر وينقضي، من فنون الفيوضِ المتعلقةِ بذاته، ووجودِه وصفاتِه وكمالاتِه مما لا يحيطُ به فَلَكُ التعبير، ولا يعلمه إلا العليمُ الخبير، ضرورةَ أنه كما لا يستحق شيء ٌ من الممكنات بذاتِه الوجودَ ابتداءً لا يستحقه بقاءً، وإنما ذلك من جناب المُبدِئ الأول عز وعلا، فكما لا يُتصور وجودُه ابتداءً ما لم ينسدَّ عليه جميعُ أنحاءِ عدمِه الأصلي، لا يتصور بقاؤُه على الوجود بعد تحققه بعِلَّته ما لم ينسدَّ عليه جميعُ أنحاءِ عدمِه الطارئ، لما أن الدوام من