وقيل: أريد به الناسُ فقط، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهم من حيث اشتمالُه على نظائِر ما فِي العالم الكبير من الجواهر والأعراض يُعلم بها الصانع، كما يُعلم بما فِي كل عالَم على حِيالِه، ولذلك أمُر بالنظر فِي الأنفس كالنظر فِي الآفاق، فقيل: {وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}
والأول هو الأحق الأظهر، وإيثارُ صيغة الجمع لبيان شمول ربوبيته تعالى لجميع الأجناس، والتعريفُ لاستغراق أفراد كلَ منها بأسرها، إذ لو أفرد لربما تُوهِّم أن المقصود بالتعريف هو الحقيقة من حيث هي، أو استغراقُ أفرادِ جنسٍ واحد على الوجه الذي أشير إليه فِي تعريف الحمد، وحيث صح ذلك بمساعدة التعريف نُزِّلَ العالم وإن لم يُطلق على آحاد مدلوله منزلة الجمع، حتى قيل: إنه جمعٌ لا واحد له من لفظه، فكما أن الجمعَ المعَرَّفَ يستغرق آحادَ مُفرَدِه وإن لم يصدُقْ عليها كما فِي مثل قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
أي كلَّ محسن، كذلك العالمُ يشملُ أفرادَ الجنسِ المسمَّى به، وإن لم يُطلق عليها، كأنها آحادُ مفردِه التقديريّ، ومن قضية هذا التنزيلِ تنزيلُ جمعِه منزلةَ جمعِ الجمع، فكما أن الأقاويلَ تتناول كلَّ واحد من آحادِ الأقوال، يتناول لفظُ العالمين كلَّ واحد من آحادِ الأجناس التي لا تكاد تُحصى.