وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} (سورة البقرة: 128) أي، مستسلمين لأمرك، لقضائك، وكذا قول يوسف: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً} (سورة يوسف: 101) وكذلك قوله: {النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} [لِلَّذِينَ هَادُوا] (المائدة: 44) تنويه بقدر الإسلام، وتنبيه على عظم أمره، فإن الصفة تعظم بعظم موصوفها كما وصفت الملائكة المقربون بالإيمان في قوله تعالى {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} (سورة غافر: 7) تنويها بقدر الإيمان، وحضّا للبشر على التحلّي به، ليكونوا كالمقربين في وصف الإيمان، حتى قيل:
أوصاف الأشراف أشرف الأوصاف.
(الثاني) : لزيادة البيان، كذا قاله ابن مالك ومثّله بقوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ} (سورة الأعراف: 158) ، وليس ما قاله بواضح فإن «رسول الله» كما يستعمل في نبينا صلوات الله وسلامه عليه، يستعمل في غيره بطريق الوضع، وتعريفه إنما حصل بالإضافة.
(فإن قال) : قد كثر استعماله في نبينا صلّى الله عليه وسلّم حتى إنه لم يبق الذهن يتبادر إلا إليه!
(قلنا) : ليس هذا من وضعه بل ذلك من الاستعمال وقد استعمل في غيره، قال تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} (سورة الأعراف: 158) وفي موضع آخر: {رُسُلُ اللَّهِ} (سورة الأنعام: 124) وفي حق عيسى: {وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرَائِيلَ} (سورة آل عمران: 49) وفي حق موسى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} (سورة المزمل: 15) .
ثم إن الصفة إنما تكون مثل الموصوف أو دونه في التعريف، وأمّا أن تكون فوقه فلا 2/ 425 لأنها على كل حال تابعة والتابع دون المتبوع.
(فإن قيل) : كيف يصحّ أن يزال إبهام الشيء بما هو أبهم منه؟
(فالجواب) : أن التعريف لم يقع بمجرد الصفة وإنما حصل بمجموع الصفة والموصوف، لأنهما كالشيء الواحد.