{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} لقد عرفنا من قبل أن هناك فرقاً بين القتل والموت ، صحيح أن كليهما فيه إذهاب للحياة ، لكن الموت: إذهاب للحياة بدون نقض البنية للجسم ، ولكن القتل: إذهاب للحياة بنقض البنية كأن يكسر إنسان رأس إنسان آخر ، أو يطلق رصاصة توقف قلبه ، وهذا هدم للبنية ، والروح لا تحل إلا في بنية لها مواصفات ، والروح لم تذهب أولاً. بل إن البنية هدمت أولاً. فلم تعد صالحة لسكنى الروح ، والمثل المعروف هو مصباح الكهرباء: إنك إن رميت عليه حجراً صغيراً ، ينكسر وينطفئ النور برغم أن الكهرباء موجودة لكنها لا تعطي نوراً إلا في وعاء له مواصفات خاصة ، فإذا ذهبت هذه المواصفات الخاصة يذهب النور ، فتأتي بمصباح جديد له المواصفات الخاصة الصالحة فتجد النور قد جاء.
وكذلك الروح لا تسكن إلا في جسم له مواصفات خاصة ، فإن جئت لهذه المواصفات الخاصة وسيدها المخ ، وضربته ضربة قاسية ، فقد نقضت البنية ، وفي هذه الحالة تغادر الروح الجسد لأنه غير صالح لها ، لكن الموت يأتي من غير نقض للبنية ، ومصداق ذلك هو قول الحق سبحانه وتعالى:
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144] .
أي أن هناك أمرين: هناك موت ، وهناك قتل ، فالموت هو سلب الحياة ، والقتل هو سلب الحياة ، ولكن القتل سلب الحياة بعد نقض البنية التي تسكن فيها الروح ، ويختلف عن الموت لأن الموت هو خروج الروح دون قتل ، ولذلك يقولون: مات حتف أنفه.
أي مات على فراشه ولم يحدث له أي شيء .
والذي يُقتل في الشهادة يقول فيه ربنا:
{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] .