فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِبَانَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ تَكْذِيبِ قَوْلِ الْجَهَلَةِ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ الْمُنْكِرِينَ طَلَبَ الْأَقْوَاتِ بِالتِّجَارَاتِ وَالصِّنَاعَاتِ , وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} اكْتِسَابًا أَحَلَّ ذَلِكَ لَهَا.
عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «التِّجَارَةُ رِزْقٌ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ , وَحَلَالٌ مِنْ حَلَالِ اللَّهِ لِمَنْ طَلَبِهَا بِصِدْقِهَا وَبِرِّهَا , وَقَدْ كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّ التَّاجِرَ الْأَمِينَ الصَّدُوقَ مَعَ السَّبْعَةِ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {عَنْ تَرَاضٍ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ فِي تِجَارَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ يُعْطِيهِ أَحَدٌ أَحَدًا""
عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ , وَالْخِيَارُ بَعْدَ الصَّفْقَةِ , وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَغُشَّ مُسْلِمًا»
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى التَّرَاضِي فِي التِّجَارَةِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يُخَيَّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ بَعْدَ عَقْدِهِمَا الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا فِيمَا تَبَايَعَا فِيهِ مِنْ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ أَوْ نَقْضِهِ , أَوْ يَتَفَرَّقَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا الَّذِي تَوَاجَبَا فِيهِ الْبَيْعَ بِأَبْدَانِهِمَا , عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ الَّذِي تَعَاقَدَاهُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ التَّفَاسُخِ
عَنِ الشَّعْبِيِّ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْبَيِّعَيْنِ: «إِنَّهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا , فَإِذَا تَصَادَرَا فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ»
وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مَا [روي] عَنِ ابْنِ عُمَرَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ خِيَارًا»