الصواب، ولا يُعَرِّج على الكثرة أو القلة، وذلك كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر عندما أراد النزول فأخبره صاحب الخبرة والاستراتيجية العسكرية - بلغة العصر - الحباب بن المنذر رضي الله عنه بالمكان المناسب للنزول، فوافقه النبي - صلى الله عليه وسلم - على رأيه، ونحوه قصة سليمان الفارسي وحفر الخندق.
(4) أما ما سوى ذلك من الأمور العامة، فإنه ينبغي للإمام أن يستشير فيها ويكثر من ذلك كما دلَّت على ذلك النصوص السابقة، ولا بأس أن يجعل المرجِّح هو رأي الأغلبية كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أُحَد حينما ألحَّ عليه بالخروج الصحابةة الذين لم يشاركوا في بدر طلبًا للشهادة، وقد كان يرى عدم الخروج هو وبعض كبار الصحابة، وكما حصل عند حصاره للطائف لما هَمَّ بالرجوع والانسحاب، فرأى القوم يكرهونه فتركهم حتى اتضح له منهم الرغبة في الانسحاب، فضحك منهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر بالرحيل [1] .
أما إذا أصرَّ على رأيه فعلى الرعية الطاعة والانقياد له في غير معصية، وقد يقال فما الفائدة إذًا من الشورى؟
والجواب: أن فائدة الشورى تظهر في ظهور الرأي الصواب، والمظنون في الخليفة مكتمل الشروط أن يأخذ بالصواب وما فيه مصلحة لا بهواه وشهوته، وليس معنى وجود كثير من الحوادث في السيرة وفيها يرجع الإمام عن رأيه ويأخذ برأي المستشارين ما يدل على إلزاميتها له، فهذا لا حجة فيه بل المفروض في الخليفة وغيره من أهل النصيحة أن يتبع الحق حيثما ظهر، وذلك كثير في تاريخنا وهو من ثمرات الشورى الطيبة فقد يرجع عن رأيه إلى رأيهم، وقد يرجعون عن رأيهم إلى رأيه، وإلا فلا فائدة للشورى أصلًا ويكون تشريعها عبثًا، لذلك فتلك الحوادث لا تدل على إلزامية الشورى للإمام والله أعلم.
(1) رواه مسلم ومر تخريجه (ص 428) .