وكتب القاضي أبو يوسف إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد يحذِّره من مغبَّة إهماله للرعية وتضييع حقوقها، فقال: (احذر أن تضيع رعيتك فيستوفي ربها حقها منك، ويضيعك - بما أضعت - أجرك، وإنما يدعم البنيان قبل أن يتهدم، وإنما لك من عملك ما عملت فيما ولاَّك الله أمره، وعليك ما ضيعت منه، فلا تنس القيام بما ولاك الله أمره فلست تُنسى، ولا تغفل عنهم فليس يُغفل عنك ... ) [1] .
فمتى شعر الأئمة بهذا الشعور، وقاموا بهذا الواجب حازوا رضى الله عز وجل ورضى الناس، واستقام لهم أمرهم، ومتى تنكَّبُوا هذا الطريق خَسِروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.
وممن قام بهذا الواجب خير قيام خلفاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلنأخذ نموذجًا من ذلك. فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه روى عنه الحسن رحمه الله قوله: (ولئن عشت إن شاء الله لأسيرنَّ في الرعية حولًا، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع عني، أما هم فلا يَصِلُون إليً، وأما عمالهم فلا يرفعونها إليّ. فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين) [2] . وعن طاوس أن عمر قال: (أرأيتم إن استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل أقضيت ما علي؟ قالوا: نعم. قال: لا حتى أنظر في عمله أعمل بما أمرته أم لا ... ) [3] .
(1) الخراج لأبي يوسف (ص 5) .
(2) مناقب عمر لابن الجوزي (ص 121) .
(3) رواه البيهقي في سننه وابن عساكر، قاله صاحب كنز العمال (5768) ح14328.