فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 666

كلها لا بد لها من مقاصد وحكم تشتمل عليها وتشرع لأجلها، ونحن إذا بحثنا عن الحكمة في اشتراط النسب القرشي ومقصد الشارع منه لم يقتص فيه على التبرك بوصلة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما هو في المشهور، وإن كانت تلك الوصلة موجودة والتبرك بها حاصلًا، لكن التبرك ليس من المقاصد الشرعية كما علمت. فلابد إذن من المصلحة في اشتراط النسب وهي المقصودة من مشروعيتها، وإذا سبرنا وقسنا لم نجد إلا اعتبار العصبية التي تكون بها الحماية والمطالبة، ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها لصاحب المنصب لتسكن إليه الملة وأهلها، وينتظم حبل الإلفة فيها، وذلك أن قريشًا كانوا عصبة مضر وأصلهم، وأهل الغلب فيهم، وكان لهم على سائر مضر العزة بالكثرة والعصبية والشرف، فكان سائر العرب يعترف لهم بذلك ويستكينون لغلبهم، فلو جعل الأمر في سواهم لتوقع افتراق الكلمة ... والشارع يحذر من ذلك [لأنه] [1] حريص على اتفاقهم ورفع التنازع والشتات بينهم لتحصل اللحمة والعصبية وتحسن الحماية، بخلاف ما إذا كان الأمر في [غير] [2] قريش، لأنهم قادر على سوق الناس بعصا الغلب إلى ما يراد منهم، فلا يخشى من أحد من خلاف عليهم ولا فرقة، لأنهم كفيلون حينئذ بدفعها ومنع الناس منها، فاشتراط نسبهم القرشي في هذا المنصب وهم أهل العصبية القوية ليكون أبلغ في انتظام الملة واتفاق الكلمة ... ) [3] . قال: (فإذا ثبت اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة معينة، علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية، فرددناه إليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية، فاشتراطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها) [4] .

(1) ساقط من الأصل.

(2) ساقط من الأصل.

(3) مقدمة ابن خلدون (ص 195) .

(4) نفس المرجع (ص 196) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت