فلو كانت البيعة واجبة في عنق كل مسلم في كل وقت لأمر بمبايعة إمام إحدى هذه الفرق، علمًا بأن لكل فرقة إمامًا، فلا يجوز مبايعة إلا الإمام الشرعي متى وجد، وقد رفع الله عنا الحرج والعنت وأرشدنا عند وقوع هذه الحالة أن نُقْبِل على أمر الخاصة ... (وهم أهل الشخص وذويه وأقاربه وإخوانه) وندع أمر العامة من سوى ذلك.
4 -كما أنه لو أخذ الحدث على الفهم السابق لما بقي شيء اسمه الولاء والبراء أصلًا، وتوضيح ذلك أن البيعة تعبير عن الولاء - أو هي الولاء نفسه - فإذا قلنا إنه لا بد من إعطاء البيعة للموجود كائنًا من كان، فمعنى هذا: إننا واليناه وعادينا من عاداه، سواء كان فاسقًا، أو ظالمًا، أو كافرًا والعياذ بالله. وهذا يؤدي إلى الوقوع في محذور أكبر مما توعد به ناقض البيعة الحقيقي، قال الله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [1] وحاشا أن يأمرنا الله بموالاة أعدائه.
فالمقصود أن البيعة حكم شرعي، له شروط وموانع جاء الشرع بها، فمتى تحققت الشروط وانتفت الموانع وجب الحكم وإما لا فلا. نحو الزكاة فهي الركن الثالث من أركان الإسلام وقد توعد الشارع من لم يؤدها بأشد العذاب، ولكن هذا الوعيد لا يقع إلا عندما يملك الإنسان المال الذي فيه زكاة، ويكتمل النصاب، ثم يحول عليه الحول، وغير ذلك من الشروط، ثم يمنع زكاته، وكذلك هنا. فإذا كان هناك إمام شرعي، وامتنع المسلم من البيعة، عند ذلك يقع في الوعيد الذي نص عليه الحديث. والله أعلم.
وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن حديث «من مات وليس له
(1) سورة المائدة آية 51.