ولا يكون ذلك إلا بأن تقوم الدولة الإسلامية بتهيئة جميع ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات، والحرف، والعلوم، وتوفير سبل البحث العلمي والاختراع، وقد جعل الفقهاء ذلك من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة، قال ابن عابدين: (من فروض الكفاية الصنائع المحتاج إليها) [1] ، ويترتب على هذا لحوق الإثم بالأمة والأئمة إذا قصرا في تحصيلها، ولذلك جعل الفقهاء من حق الإمام إجبار أصحاب الصناعات الضرورية على القيام بها إذا امتنعوا عنها، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: (ومن ذل أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة كالفلاحة، والنساجة، والبناء وغير ذلك. فلولي الأمر أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك، ولهذا قالت طائفة من أصحاب أحمد والشافعي إن تعلم هذه الصناعات فرض كفاية) [2] أ. هـ.
وكذلك من عمارة الأرض أيضًا استثمار خيرات البلاد بما يحقق مصالح المسلمين العامة كشق الطرق، وإقامة المصانع، واستخراج المعادن، وتنظيم الري، وإقامة السدود، وتحسين وسائل الزراعة، التي تزيد في المحصول، وإيجاد سبل العمل الشريفة للأمة، إلى غير ذلك من الأمور التي لا حصر لها، وقد شعر بهذه المسؤولية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: (لو أن بغلة عثرت في سواد العراق لخشيت أن يسأل عنها عمر لماذا لم يسو لها الطريق) .
وقد كتب أبو يوسف إلى هارون الرشيد رحمهما الله تعالى يبين له أن على الخليفة أن يأمر بحفر الأنهار وإجراء الماء فيها، وتحميل بيت المال وحده نفقات ذلك فقال: (فإذا اجتمعوا - أي أهل الخبرة - على أن
(1) رد المحتار على الدر المختار (3) .
(2) الطرق الحكمية (ص 226) .