وَمِنْهَا الْخِسَّةُ وَالْمَهَانَةُ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ; فَإِنَّ السَّكْرَانَ يَكُونُ فِي هَيْئَتِهِ وَكَلَامِهِ وَحَرَكَاتِهِ بِحَيْثُ يَضْحَكُ مِنْهُ وَيَسْتَخِفُّ بِهِ كُلُّ مَنْ يَرَاهُ ، حَتَّى الصِّبْيَانُ; لِأَنَّهُ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْهُمْ عَقْلًا ، وَأَبْعَدَ عَنِ التَّوَازُنِ فِي حَرَكَاتِهِ وَأَعْمَالِهِ ، وَالضَّبْطِ فِي أَفْكَارِهِ وَأَقْوَالِهِ ، وَيَنْقُلُونَ عَنِ السُّكَارَى مِنَ النَّوَادِرِ الْغَرِيبَةِ مَا يَكْفِي فِي رَدْعِ مَنْ لَهُ شَرَفٌ وَعَقْلٌ عَنِ الْخَمْرِ ، فَيُرَاجَعُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْأَدَبِ وَالْمُحَاضَرَةِ ، وَمِمَّا ذُكِرَ عَنِ الْمُحَدِّثِينَ: أَنَّ ابْنَ أَبِي الدُّنْيَا مَرَّ بِسَكْرَانَ وَهُوَ يَبُولُ فِي يَدِهِ وَيَمْسَحُ بِهِ وَجْهَهُ كَهَيْئَةِ الْمُتَوَضِّئِ ، وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْإِسْلَامَ نُورًا وَالْمَاءَ طَهُورًا ، وَعَرَضَ بَعْضُهُمْ شُرْبَ الْخَمْرِ عَلَى أَحَدِ فُصَحَاءِ الْمَجَانِينِ فَقَالَ لَهُ الْمَجْنُونُ: أَنْتَ تَشْرَبُ لِتَكُونَ مِثْلِي ، فَأَنَا أَشْرَبُ لِأَكُونَ مِثْلَ مَنْ ؟
وَمِنْهَا أَنَّ جَرِيمَةَ السُّكْرِ تُغْرِي بِجَمِيعِ الْجَرَائِمِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلسَّكْرَانِ وَتُجَرِّئُ عَلَيْهَا ، وَلَا سِيَّمَا الزِّنَا وَالْقَتْلُ ، وَبَلَغَنِي أَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ إِلَى مَوَاخِيرِ الزِّنَا لَا يَذْهَبُونَ إِلَيْهَا إِلَّا وَهُمْ سُكَارَى; لِأَنَّ غَيْرَ السَّكْرَانِ تَنْفِرُ نَفْسُهُ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ الْمُبْتَذَلَةِ مَهْمَا تَكُنْ
خَسِيسَةً; وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْخَمْرُ أُمَّ الْخَبَائِثِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ ، فَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَضَرَّاتِهَا فِي النَّفْسِ مِنْ حَيْثُ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ .