وَمِنْ مَضَرَّاتِهَا الْمَالِيَّةِ أَنَّهَا تَسْتَهْلِكُ الْمَالَ وَتُفْنِي الثَّرْوَةَ كَمَا قَالَ عَنْتَرَةُ:
فَإِذَا شَرِبْتُ فَإِنَّنِي مُسْتَهْلِكٌ ... مَالِي وَعِرْضِي وَافِرٌ لَمْ يُكْلَمِ
وَلَمْ تَكُنِ الْخَمْرُ مُذْهِبَةً لِلثَّرْوَةِ فِي زَمَنٍ مِنَ الْأَزْمِنَةِ كَزَمَانِنَا هَذَا ، وَلَا فِي مَكَانٍ كَهَذِهِ الْبِلَادِ; فَإِنَّ أَنْوَاعَ الْخَمْرِ كَثُرَتْ فِيهَا ، وَمِنْهَا مَا هُوَ غَالِي الثَّمَنِ جِدًّا ، ثُمَّ إِنَّ الْمُتَّجِرِينَ بِهَا كَثِيرًا مَا يَقْرِنُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقِيَادَةِ إِلَى الزِّنَا ، وَفِي مِصْرَ الْقَاهِرَةِ بُيُوتٌ لِلْفِسْقِ تَجْمَعُ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالنِّسَاءِ وَالرَّاقِصَاتِ وَالْمُغَنِّيَاتِ ، يَدْخُلُهَا الرِّجَالُ زَرَافَاتٍ وَأَفْذَاذًا ، وَيَتَبَارَوْنَ ثَمَّ فِي النَّفَقَةِ حَتَّى لَيَخْسَرَ الرَّجُلُ فِي لَيْلَتِهِ الْمِئِينَ وَالْأُلُوفَ . وَإِنَّ الْخَمَّارَ الرُّومِيَّ الْفَقِيرَ لَيَفْتَحُ فِي إِحْدَى الْقُرَى وَالْمَزَارِعِ مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ حَانَةً صَغِيرَةً فَلَا تَزَالُ تَتَّسِعُ بِمَا تَبْتَلَعُ مِنْ ثَرْوَةِ الْأَهَالِي وَغَلَّاتِ أَرْضِهِمْ حَتَّى تَبْتَلِعَ الْقَرْيَةَ كُلَّهَا ، فَتَكُونُ أَمْوَالُهَا وَغَلَّاتُهَا وَقُطْنُهَا وَتِجَارَتُهَا فِي يَدِ (الْخَوَاجَةِ) صَاحِبِ الْحَانَةِ .
وَقَدْ عَمَّ الْبَلَاءُ بِالْخَمْرِ هَذَا الْقُطْرَ بِمَا لِأَهْلِهِ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلتَّقْلِيدِ حَتَّى قِيلَ: إِنَّ مَا يُصْرَفُ فِي مِصْرَ عَلَى الْخَمْرِ يَعْدِلُ مَا يُصْرَفُ فِي فَرَنْسَا كُلِّهَا .