وَمِنْ مَضَرَّاتِ الْخَمْرِ فِي الدِّينِ مِنْ حَيْثُ رُوحِهِ وَوِجْهَةِ الْعَبْدِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنَّ السَّكْرَانَ لَا تَتَأَتَّى مِنْهُ عِبَادَةٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَلَا سِيَّمَا الصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ; وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا: (وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ) وَسَيَأْتِي إِيضَاحُ هَذَا الْمَعْنَى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى .
فَهَذَا شَيْءٌ مِنَ الْبَيَانِ لِكَوْنِ إِثْمِ الْخَمْرِ كَبِيرًا بِمَعْنَى أَنَّ كِبَرَهُ بِكِبَرِ ضَرَرِهِ ، أَوْ كَوْنِهِ كَثِيرًا لِكَثْرَةِ أَنْوَاعِهِ ، وَقَدْ يَشْتَبِهُ بَعْضُ الْمُبْتَلَيْنَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمَضَرَّاتِ الصِّحِّيَّةِ ، أَوْ يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُ يَسْهُلُ عَلَيْهِمُ التَّوَقِّي مِنْهَا ، وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا يَتَوَهَّمُونَ; فَإِنَّ الْمِزَاجَ الَّذِي يَتَحَمَّلُ سُمَّ الْخَمْرِ - الَّذِي يُسَمَّى الْكُحُولَّ أَوِ الْغُولَ - زَمَنًا طَوِيلًا بِحَيْثُ يَغْتَرُّ النَّاسُ بِحُسْنِ صِحَّةِ صَاحِبِهِ قَلِيلٌ فِي النَّاسِ ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَلَيْنَ يَقِيسُونَ عَلَى النَّادِرِ وَيَجْهَلُونَ الْأَصْلَ الْغَالِبَ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مُدْمِنُ السُّكْرِ مِنْ ضَرَرِهِ فِي جِسْمِهِ أَوْ عَقْلِهِ وَمَدَارِكِهِ أَوْ وَلَدِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، بَلْ تَجْتَمِعُ كُلُّهَا فِي الْغَالِبِ . وَأَمَّا الْمَضَرَّاتُ الْمَعْنَوِيَّةُ فَيَقِلُّ فِي مُعْتَادِي السُّكْرِ مَنْ يَحْفِلُ بِهَا ، عَلَى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهُ يَسْهُلُ عَلَيْهِ تَجَنُّبُهَا .