عما في النظم لا بد له من نكتة وهي ما ذكرناه والباء في بأن تأتوا زائدة في الخبر وعن هذا
لم ينقل قراءة وليس البر بنصب البر، وأما ما سبق فلما لم يكن فيه الباء قرئ بقراءتين نصب
البر ورفعه.
قوله: (وإنما البر بر من اتقى المحارم والشهوات) فيه تنبيه عَلَى أن اللام في
ولكن البر يفيد القصر؛ إذ المسند إليه إذا كان محلى بلام الجنس يفيد قصره عَلَى المسند
وهو التَّقْوَى هنا لأن الْمُرَاد بر من اتقى بتقدير الْمُضَاف كما نبه عليه وبر من اتقى
التَّقْوَى والدخول والخروج الْمَذْكُوران ليسا من التَّقْوَى فلا يكونان من البر، وذكر
يخرجون لاستلزام الدخول الْمَذْكُور ذلك؛ إذ ترك العادة إنما يتحقق بمجموع الدخول
والخروج فيدل الآية عليه بدلالة النص. قوله من ثقب ناظر إلَى ما بني من الحجر ونحوه
وفرجة ناظر إلَى الفسطاط. قوله المحارم إشَارَة إلَى مَفْعُول اتقى، والْمُرَاد بالشهوات
[الرديئة] المردية، وأما الشهوات المستقيمة الموافقة للشرع فلا يجب الاتقاء عنها، بل قد
يجب تعاطيها، وفيه إشَارَة إلَى سر عدم كون الدخول برًا؛ لأن الدخول من أبوابها ليس
من المحارم حتى يكون الاحتراز عنه برًا وتقوى.
قوله: (ووجه اتصاله بما قبله إنما سألوا عن الأمرين) لما كان اتصاله بما قبله خفيًا؛ إذ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: [ووجه] اتصاله بما قبله الخ. عبارة الكَشَّاف أدل عَلَى المقصود من بيان وجه الاتصال قال
فإن قلت: ما وجه اتصاله بما قبله؟ قلت كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الْحكْمَة في
نقصانها وتمامها معلوم أن كل ما يفعله الله عز وجل لا يكون إلا حكمة بالغة ومصلحة لعباده
فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس في شيء وأنتم تحسبونها برًا، ويجوز
أن يجري ذلك عَلَى طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت الحج لأنه كان من أفعالهم ويحتمل أن
يكون هذا تمثيلًا لتعكيسهم في سؤالهم وأن مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره.
والْمَعْنَى ليس البر وما يَنْبَغي أن تكُونُوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم، ولكن البر بر من اتقى ذلك
[وتجنبه] ولم يجسر عَلَى مثله. ثم قال (وَأْتُوا الْبُيُوتَ منْ أَبْوَابهَا) أي وباشروا الأمور من وجوهها التي
يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا، والْمُرَاد وجوب توطن النفوس وربط الْقُلُوب عَلَى أن جميع
أفعال الله حكمة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه لما
في السؤال من الاتهام مقارنة الشك (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) إلَى هنا
كلامه. بين اتصال هذه الآية بما قبله بثلاثة أوجه: أحدها أنهم لما سألوا عن حَقيقَة حال الأهلة
وأجيبوا بطَريق أسلوب الحكيم أريد أن يبين سبب الاعتراض عن جواب سؤالهم وسلوك طريق
أسلوب الحكيم وهو أن ذلك السؤال ليس مما يهمهم ويليق بحالهم، وإنَّمَا المهم اللائق بحالهم
سؤالهم عن وقائعهم التي يبتلون ويتعذبون بها مثل هذه الفعلة التي يحسبونها برًا أي الأهم بحالكم
أن تعلموا أنها مواقيت للناس والحج، وأن تنظروا في فعلة واحدة تفعلونها عَلَى أنها بر وليس البر
ذلك، ولكن البر بر من اتقى. وثانيها أنهم لما أجيبوا بأنها مواقيت للناس والحج أورد بعض أفعالهم
التي كانوا يَفْعَلُونَها فيه عَلَى سبيل الاستطراد وهو ذكر غير ما سبق له الْكَلَام إذا كان له تعلق ما به.
وثالثها تعييبهم عَلَى ما عكسوا سؤالهم فإن اللائق بحالهم أن يسألوا عن منافع كمال الأهلة