وَللصَّوْمِ تَأْثيٌر عَجِيبٌ فِي حِفْظِ الجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ، وَالقُوَى البَاطِنِةِ، وَحِمايتِهَا عنِ التَّخْلِيطِ الجَالِبِ في الموادَ الفَاسِدةَ الَّتِي إِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَيهَا أَفْسَدَتْهَا، وَاسْتِفْرَاغِ الموَادِّ الرَّدِيئَةِ المَاِنعَةِ لَها مِنْ صِحَّتِهَا، فَالصَّوْمُ يحْفَظُ عَلَى القَلْبِ وَالجَوَارِحِ صَحَّتَهَا وَيُعِيدُ إِلَيْهَا مَا اسْتَلَبَتْهُ مِنْهَا أَيْدِي الشّهَوَاتِ فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى التَّقْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183) ، وَقَالَ النّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"الصَّوْمُ جُنَّةٌ"، وَأَمَرَ مَنْ اشْتَدّتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النِّكَاحِ وَلَا قدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ بِالصّيَامِ وَجَعَلَهُ وِجَاءَ هَذِهِ الشَّهْوَةِ. وَالمُقْصُودُ أَنّ مَصَالِحَ الصّوْمِ لمّا كَانَتْ مَشْهُودَةً بِالْعُقُولِ السّلِيمَةِ وَالْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ شَرَعَهُ اللَّه لِعِبَادِهِ رَحْمَةً بِهِمْ وَإِحْسَانًا إلَيْهِمْ وَحِمْيَةً لهمْ وَجُنّةً.
الوجه الثاني: الصوم في الأمم السابقة كما في القرآن والسنة.
إن الصوم من العبادات التي لم ينفرد بها الإسلام، فقد أخبر القرآن الكريم أن الصوم كان مفروضًا أيضًا على الأمم السابقة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} .
بين اللَّه -عزَّ وجلَّ- في هذه الآية أنه كما أوجبه عليهم، فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة، وَليَجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} (المائدة: 48) .