فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 53071 من 466147

وجاء التعبير بلفظ شيء منكرا لإفادة التقليل. أي: فمن عفى له من أخيه ما يسمى شيئا من العفو والتجاوز ولو أقل قليل، تم العفو وسقط القصاص، ولم تجب إلا الدية، وذلك بأن يعفو بعض أولياء الدم، لأن القصاص لا يتجزأ.

وفي ذلك تحبيب من الشارع الحكيم لولى الدم، في العفو وفي قبول الدية، إذ العفو أقرب إلى صفاء القلوب، وتجميع النفوس على الإخاء والتعاطف والتسامح. وفيه - أيضا - إبطال لما كان عليه أهل الجاهلية من التعيير من قبول أخذ الصلح في قتل العمد، وعدهم ذلك لونا من بيع دم المقتول بثمن بخس. قال بعضهم يحرض قومه على الثأر.

فلا تأخذوا عقلا من القوم إننى ... أرى العار يبقى والمعاقل تذهب

وقال شاعر آخر يذكر قوما لم يقبلوا الصلح عن قتيل لهم:

فلو أن حيا يقبل المال فدية ... لسقنا لهم سيبا من المال مفعما

ولكن أبى قوم أصيب أخوهم ... رضا العار فاختاروا على اللبن الدما

ثم بين - سبحانه - أنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر فقال: ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ.

أي: ذلك الذي شرعناه لكم من تيسير أمر القصاص بأداء الدية إلى ولى القتيل إذا رضى طائعا مختارا، أردنا منه التخفيف عليكم إذ في الدية تخفيف على القاتل بإبقاء حياته وإنقاذها من القتل قصاصا، وفيها كذلك نفع لولى القتيل، إذ هذا المال الذي أخذه نظير عفوه يستطيع أن ينتفع به في كثير من مطالب حياته.

وبهذا نرى أن الإسلام قد جمع في تشريعه الحكيم لعقوبة القتل بين العدل والرحمة. إذ جعل القصاص حقا لأولياء المقتول إذا طالبوا به لا ينازعهم في ذلك منازع وهذا عين الإنصاف والعدل.

وجعل الدية عوضا عن القصاص إذا رضوا بها باختيارهم، وهذا عين الرحمة واليسر.

وبالعدالة والرحمة تسعد الأمم وتطمئن في حياتها إذ العدالة هي التي تكسر شره النفوس، وتغسل غل الصدور، وتردع الجاني عن التمادي في الاعتداء، لأنه يعلم علم اليقين أن من وراء الاعتداء قصاصا عادلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت