فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 52883 من 466147

(عَفَا اللَّهُ عَنْها) فإذا تعدّى إلى الذنب والجاني معا قيل: عفوت لفلان عما جنى ، كما تقول: غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه. وعلى هذا ما فِي الآية ، كأنه قيل: فمن عفى له عند جنايته ، فاستغنى عن ذكر الجناية. فإن قلت: هلا فسرت عفى بترك حتى يكون شيء فِي معنى المفعول به؟ قلت: لأن عفا الشيء بمعنى تركه ليس بثبت ، ولكن أعفاه. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «و أعفوا اللحى» «1» فإن قلت. فقد ثبت قولهم: عفا أثره إذا محاه وأزاله ، فهلا جعلت معناه: فمن محى له من أخيه شي ء؟ قلت: عبارة قلقة فِي مكانها ، والعفو فِي باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة فِي الكتاب والسنة واستعمال الناس ، فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها ، وترى كثيراً ممن يتعاطى هذا العلم يجترئ - إذا أعضل عليه تخريج وجه للمشكل من كلام اللَّه - على اختراع لغة وادعاء على العرب ما لا تعرفه ، وهذه جرأة يستعاذ باللَّه منها. فإن قلت؟ لم قيل: شيء من العفو؟ قلت:

للإشعار بأنه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم ، أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم تجب إلا الدية فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ فليكن اتباع ، أو فالأمر اتباع. وهذه توصية للمعفو عنه والعافي جميعا. يعني فليتبع الولي القاتل بالمعروف بأن لا يعنف به ولا يطالبه إلا مطالبة جميلة ، وليؤدّ إليه القاتل بدل الدم أداء بإحسان ، بأن لا يمطله ولا يبخسه ذلِكَ الحكم المذكور من العفو والدية تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرّم العفو وأخذ الدية ، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرّم القصاص والدية ، وخيرت هذه الأمّة بين الثلاث: القصاص والدية والعفو ، توسعة عليهم وتيسيراً فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ التخفيف ، فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل «2» ، أو القتل بعد أخذ الدية. فقد كان الولي فِي الجاهلية يؤمّن القاتل بقبوله الدية ، ثم يظفر به فيقتله فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ نوع من العذاب شديد الألم فِي الآخرة. وعن قتادة: العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ولا يقبل منه دية ، لقوله عليه السلام «لا أعافى أحداً قتل بعد أخذه الدية» وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ كلام فصيح لما فيه من الغرابة «3» ، وهو أنّ القصاص قتل وتفويت للحياة ، وقد جعل مكانا وظرفا للحياة ، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة لأنّ المعنى: ولكم فِي هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة ، وذلك أنهم كانوا

(1) . متفق عليه من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما

(2) . قوله «من قتل غير القاتل» بيان للتجاوز والاعتداء. (ع)

(3) . قال محمود رحمه اللَّه: «كلام فصيح لما فيه من الغرابة ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: قوله جعل أحد الضدين محلا للآخر: كلام إما وهم فيه أو تسامح ، لأن شرط تضاد الحياة والموت اجتماعهما فِي محل واحد تقديراً ، ولا تضاد بين حياة غير المقتص منه وموت المقتص ، والبلاغة التي أوضحها فِي الآية بينة بدون هذا الإطلاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت