التأويل الثاني: أن يضمر المضاف ، والمعنى إلى ثواب ربها ناظرة ، قالوا: وإنما صرنا إلى هذا التأويل ، لأنه لما دلت الدلائل السمعية والعقلية على أنه تعالى تمتنع رؤيته وجب المصير إلى التأويل ، ولقائل أن يقول: فهذه الآية تدل أيضاً على أن النظر ليس عبارة عن تقليب الحدقة ، لأنه تعالى قال: لا ينظر إليهم وليس المراد أنه تعالى يقلب الحدقة إلى جهنم فإن قلتم: المراد أنه لا ينظر إليهم نظر الرحمة كان ذلك جوابنا عما قالوه.
التأويل الثالث: أن يكون معنى: {إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ} أنها لا تسأل ولا ترغب إلا إلى الله ، وهو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام:
"اعبد الله كأنك تراه"فأهل القيامة لشدة تضرعهم إليه وانقطاع أطماعهم عن غيره صاروا كأنهم ينظرون إليه الجواب: قوله: ليس النظر عبارة عن الرؤية ، قلنا: ههنا مقامان:
الأول: أن تقيم الدلالة على أن النظر هو الرؤية من وجهين: الأول: ما حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام وهو قوله: {أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] فلو كان النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جانب المرئي ، لاقتضت الآية أن موسى عليه السلام أثبت لله تعالى وجهة ومكاناً وذلك محال الثاني: أنه جعل النظر أمراً مرتباً على الإرادة فيكون النظر متأخراً عن الإرادة ، وتقليب الحدقة غير متأخر عن الإرادة ، فوجب أن يكون النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جانب المرئي.
المقام الثاني: وهو الأقرب إلى الصواب ، سلمنا أن النظر عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته ، لكنا نقول: لما تعذر حمله على حقيقته وجب حمله على مسببه وهو الرؤية ، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب ، وحمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار ، لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية ولا تعلق بينه وبين الانتظار ، فكان حمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار.
أما قوله: النظر جاء بمعنى الانتظار ، قلنا: لنا في الجواب مقامان: