وقال آخر:
جليسٌ لي له أدب ... رعاية مثله تجب
لو انتقدت خلائقه ... لبهرج عندها الذّهب
وعن ابن عبّاس، أنه قال: إنّي لأكره أن يطأ الرجل بساطي ثلاثاً فلا يرى عليه أثرى.
وعنه أيضاً رضي الله عنه، أنه سئل: من أكرم الناس عليك؟ قال: جليسي حتّى يفارقني.
قال معاوية لعرابة الأوسي: بأيّ شيءٍ استحققت أن يقول فيك الشّماّخ:
رأيت عرابة الأوسيّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقاّها عرابة باليمين
فقال: عرابة: سماع هذا من غيري أولى بك وبي يا أمير المؤمنين، فقال: عزمت عليك لتخبرنّي. فقال: بإكرامي جليسي، ومحاماتي على صديقي.
فقال معاوية: لقد استحققت.
قال عليّ بن الحسين: ما جلس إليّ أحدٌ قط، إلاّ عرفت له فضله حتى يقوم.
قال أبو عبادة: ما جلس رجل بين يديّ، إلا مثّل لي أني جالس بين يديه. روي عن عبد الله بن يزيد، وقد روى ذلك لأبي حازم، أنه قال: وطّن نفسك على الجليس السوء، فإنه لا يكاد يخطئك.
وقد روى ذلك عن الأحنف، والله أعلم.
قال بعض الحكماء: رجلان ظالمان يأخذان غير حقّهما، رجلٌ وسّع له في مجلس ضيّق فتربّع وتفتح، ورجلٌ أهديت إليه نصيحةٌ فجعلها ذنباً.
وقال مسعر بن كدام: رحم الله من أهدى إليّ عيوبي في ستر بيني وبينه، فإن النصيحة في الملأ تقريع.
قال الأحنف: لأن أدعى من بعدٍ أحبّ إليّ من أن أقصى عن قرب.
وعن الأحنف أيضاً أنه قال: ما جلست مجلساً قطّ، أخاف أن أقام منه لغيري
وقال البعيث بن حريث:؟ وإنّ مكاني في النّديّ ومجلسي له الموضع الأقصى إذا لم أقرّب
ولست وإن قرّبت يوماً ببائعٍ ... خلاقي ولا ديني ابتغاء التّحبُّب
ويعتدّه قومٌ كثيرٌ تجارةً ... ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي
جلس رجل إلى الحسن بن عليّ رضي الله عنه، فقال: جلست إلينا على حين قيام، أفتأذن؟!
كان يقال: إياك وكلُّ جليسٍ لا تصيب منه خيراً.
وعن معاذ بن جبل، أنه قال: إيّاك وكلّ جليسٍ لا يفيدك علماً.
كان يقال: من سرّه أن يعظم حلمه، وينفعه علمه، فليقلّ من مجالسته من كان بين ظهرانيه.
وقال الحسن البصريّ: انتقوا الإخوان، والأصحاب، والمجالس.
وروى هشام بن عروة، عن محّمد بن المنكدر، قال: كان يقال: خياركم ألينكم مناكب في الصلاة، وركناً في المجالس، الموطَّئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون.