قال ابن عمر: كنت قاعدًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة فخلّها في صدره بخلال فنزل عليه جبريل فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة فخلها في صدره؟ فقال: أنفق ماله عليّ قبل الفتح.
ولأنه - رضي الله عنه - كان أيضًا أول من قاتل على الإسلام فقد روى زر عن ابن مسعود قال: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رضي الله عنه.
قال صاحب النظم: قوله: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ} يقتضي نقيضًا كما قال {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر: 20] ولم يجئ هاهنا النقيض الذي يقابل من أنفق فلما قال {أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} دل على هذا النقيض؛ لأن نقيضه من أنفقوا من بعد وقاتلوا.
قال عطاء: يريد درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها، وقال مقاتل بن حبان: يقول كانت نفقتهم وجهادهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم أجرًا ودرجات من درجات من أنفق وقاتل بعد الفتح فتح مكة.
قال أبو إسحاق: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم وكانت بصائرهم أيضًا أنفذ.
قوله تعالى: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} قال مقاتل بن سليمان: يقول
وكلا الفريقين وعد الله الجنة.
والقراء في النصب في {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ} لأنه بمنزلة زيدًا وعدت خيرًا فهو مفعول وعد، وقرأ ابن عامر"وكل"بالرفع، وحجته أن الفعل إذا تقدم عليه مفعوله لم يقو عمله فيه قوته إذا تأخر، ألا ترى أنهم قد قالوا في الشعر: زيدٌ ضربتُ، ومما جاء في ذلك الشعر:
قد أصبحتْ أمُّ الخيارِ وتدَّعي ... عليَّ ذنْبًا كُلُهُ لم أصْنّعِ