في ظاهره متناقض؛ لأنه يقول: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) ، ولو كانوا لا يؤمنون بالله كيف يقرون باللَّه وبالرسول، ويصدقونه: أنه رسول اللَّه؛ إذ التصديق بالرسول تصديق بالمرسل، وهم لا يؤمنون باللَّه، فكيف يصدقون الرسول؟ لكنه يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: ما لكم لا تؤمنون باللَّه؟ أي: بقدرة اللَّه على بعثكم وإحيائكم بعد موتكم قد أتاكم ودعاكم بما تبين لكم من قدرته وسلطانه على البعث، فما لكم لا تؤمنون بقدرته؟ على هذا جائز أن يخرج؛ لأن أهل مكة كانوا أصنافا: منهم من يذهب مذهب الدهر، ومنهم من يذهب مذهب الشرك، ومنهم من يقر بالتوحيد وينكر البعث، والله أعلم.
والثاني يقول: أي عذر لكم في ترك الإيمان باللَّه تعالى والرسول دعاكم، وقد أتاكم من الآيات والحجج ما يدفع عنكم العذر، ويزيح عنكم الشبه؟ فأي عذر لكم من ترككم الإيمان به؟ فما لكم لا تؤمنون؟
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ)
قد ذكرنا فيما تقدم أن أخذ الميثاق من الله تعالى يخرج على وجوه:
أحدها: على ألسن الرسل - عليهم السلام - كقوله تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي...) ، إلى آخر ما ذكر، وغير ذلك من أمثاله.
والثاني: أخذ الميثاق ما جعل في خلقة كل أحد من شهادة الوحدانية له.
والثالث: عهد إليهم؛ حيث ركب فيهم العقول والأفهام، وجعلهم بحيث يميزون ما لهم مما عليهم، فيما لا يحتمل إهمال مثلهم وتركهم سدى.
ويحتمل ما ذكر بعض أهل التأويل من إخراجهم من صلب آدم - عليه السلام - ، والوجوه الأول أقرب.