وأفق التحت إلى الخلق، والأفق الأعلى؛ أي: أفقه أعلى الأفق ومنتهى وصول اللطائف إليه، فكذلك للطيفتك الخفية أفقان فاطلب أفقها، واجتهد أن تأخذ من الحق في الأفق المبين؛ يعني: بلا واسطة ولا تقنع بالستور؛ لئلا تكون ممن أكل من تحته، وكن عالي الهمة لتأكل من الفوق والتحت ومن جميع الجهات، ثم لا تقنع بهذا حتى تصل إلى مقام تأكل منه، ولا يمكن لأحد أن يأكل من ذاته إلا بعد وصوله إلى الذات الواحدة وهلاكه فيها، وبيان سر الهلاك في الذات يقرع باب الطلع، وأما مأمور شدة فأعبر وأعتبر.
{ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [النجم: 8] ؛ يعني: نزل شديد القوة على اللطيفة ودنا منها فكان دنوه، {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9] مقدار قوسين أو أدنى، افهم يا سالك أن اللطيفة الخفية دنت من الحق، فتدلت بنزولها من أفق الأزل إلى أفق الأبد حتى تصل أفق الأزل بالأبد، وهو عبارة عن {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9] ، إشارة إلى: اتصال طرفي القوس عند غاية النزع، وهذه العبارة والإشارة يدلان على وصول اللطيفة الخفية إلى الحق على حد ما كان لأحد أن يتجاوز ذلك الحد، والذي أشار إليه المفسرون: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبرائيل بحيث سد الأفق قول صدق وكلام حق، ولكن ينبغي أن يعرف اللطيفة الجبرائيلية والأفق، ويعلم أن صورته كيف سرقت الأفق وما يعني سد الأفق، وحقائق هذه الأشياء متعلقة بحد القرآن مما لا يؤذن تفسيره، خذ من تفسير بطنه نصيب باطنك، وخذ من ظهره حظ ظاهرك؛ وهو الإيمان والإقرار مما قال الله تعالى، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرادوا أراد رسول الله بذلك القول.