والثاني: أنه لازم، نحو وجه وتوجه، ويعضده قراءة تقدموا بفتح التاء والقاف والدال، قال الواحدي: قدم ههنا بمعنى تقدم وهو لازم، قال أبو عبيدة العرب تقول: لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب، أي: لا تعجل بالأمر دونه، والنهي لأن المعنى لا تقدموا قبل أمرهما ونهيهما، وبين يدي الإمام عبارة عن الأمام لا بين يدي الإنسان، وقرئ بضم التاء وكسر الدال من أقدم أي لا تقدموا على شيء ومعنى الآية لا تقطعوا أمراً دون الله ورسوله ولا تعجلوا به.
وقيل: معنى بين يدي فلان بحضرته، لأن ما يحضره الإنسان فهو بين
يديه وقيل: لا تقولوا بخلاف الكتاب والسنة، وهو الأظهر والأشمل وجرت هذه العبارة أي بين يدي الله ورسوله هنا على سنن من المجاز وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلاً أي استعارة تمثيلية، والغرض تصوير كمال الهجنة وتقبيح قطع الحكم بغير إذن الله ورسوله أو المراد بين يدي رسول الله وذكر لفظاً لله تعظيماً للرسول وإشعاراً بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله وعلى هذا فلا استعارة، وإليه يميل كلام المحلي.
وقال الشهاب: في هذا الكلام تجوزان، أحدهما في: بين اليدين، فإن حقيقته ما بين العضوين، فتجوز بهما عن الجهتين المقابلتين لليمين والشمال القريبتين منه، بإطلاق اليدين على ما يجاورهما ويحاذيهما، فهو من المجاز المرسل، ثم استعيرت الجملة وهي التقدم بين اليدين استعارة تمثيلية للقطع بالحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن تلزمه متابعته، والمعنى كما قال الخازن: لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول الله، أو قبل أن يفعل، وفي البيضاوي، المعنى: لا تقطعوا أمراً قبل أن يحكم الله ورسوله به انتهى؛ وقطع الأمر الجزم به، والجرأة على ارتكابه من غير إذن من له الإذن.
(واتقوا الله) في كل أموركم ويدخل تحتها الترك للتقدم بين يدي الله ورسوله دخولاً أولياً، ثم علل ما أمر به من التقوى بقوله: (إن الله سميع) لكل مسموع (عليم) بكل معلوم.