قوله: {عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ} الجملة مستأنفة لبيان العلة الموجبة للنهي، ولا خبر لعسى، لأنه يغني عنه فاعلها، والمعنى: لا يحتقر أحداً أحداً، فلعل من يحتقر، يكون عند الله أعلى وأجل ممن احتقره، وبالجملة فينبغي للإنسان أن لا يسخر بأخيه في الدين، بل ولا بأحد من خلق الله، فلعله يكون أخلص ضميراً، وأتقى قلباً ممن سخر به، ولقد بلغ بالسلف الصالح هذا الأمر، حتى قال بعضهم: لو رأيت رجلاً يرضع عنزاً فضحكت منه، لخشيت أن أصنع مثل ما صنع، وقال عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب، لخشيت أن أحول كلباً.
قوله: {وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ} قال أنس: نزلت في صفية بنت حيي، بلغها أن حفصة قالت: بنت يهودي فبكت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال: ما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة أني بنت يهودي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنك لابنة نبي، وعمك نبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفتخر عليك؟ ثم قال: اتقي الله يا حفصة. وذكر النساء لمزيد الإيضاح والتبيين، ولدفع توهم أن هذا النهي خاص بالرجال.
قوله: {وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ} اللمز في الأصل الإشارة بالعين ونحوها.
قوله:: (ولا تعيبوا فتعابوا) أشار بذلك إلى توجيه قوله: {أَنفُسَكُمْ} وذلك لأن الإنسان إذا عاب غيره، عابه ذلك الغير، فقد عاب الشخص نفسه بتسببه.
قوله: (أي لا يعب بعضكم بعضاً) هذا توجيه آخرـ فكان الأولى للمفسر أن يأتي بأو، والمعنى: أن المؤمنين كشخص واحد، فمن عاب غيره، كأنه عاب نفسه، ومن هذا المعنى قول العارف: