وقرأ أبو حيوة: بكسر السين ، ثم رد عليهم تعالى كلامهم هذا فقال: {بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً} من أمور الدنيا ، وظاهره ليس لهم فكر إلا فيها ، كقوله: {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا} والإضراب الأول رد أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد.
والثاني ، إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى ما هو أطم منه ، وهو الجهل وقلة الفقه.
{قل للمخلفين من الأعراب} : أمر تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لهم ذلك ، ودل على أنهم كانوا يظهرون الإسلام ، ولو لم يكن الأمر كذلك ، لم يكونوا أهلاً لذلك الأمر.
وأبهم تعالى في قوله: {إلى قوم إولي بأس شديد} .
فقال عكرمة ، وابن جبير ، وقتادة: هم هوازن ومن حارب الرسول (صلى الله عليه وسلم) في حنين.
وقال كعب: الروم الذين خرج إليهم عام تبوك ، والذين بعث إليهم في غزوة مؤتة.
وقال الزهري ، والكلبي: أهل الردة ، وبنو حنيفة باليمامة.
وعن رافع بن خديج: إنا كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ، ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، إلى قتال بني حنيفة ، فعلمنا أنهم أريدوا بها.
وقال ابن عباس ، وعطاء بن أبي رباح ، ومجاهد ، وعطاء الخراساني ، وابن أبي ليلى: هم الفرس.
وقال الحسن: فارس والروم.
وقال أبو هريرة: قوم لم يأتوا بعد.
وظاهر الآية يرد هذا القول.
والذي أقوله: إن هذه الأقوال تمثيلات من قائليها ، لا أن المعنى بذلك ما ذكروا ، بل أخبر بذلك مبهماً دلالة على قوة الإسلام وانتشار دعوته ، وكذا وقع حسن إسلام تلك الطوائف ، وقاتلوا أهل الردة زمان أبي بكر ، وكانوا في فتوح البلاد أيام عمر وأيام غيره من الخلفاء.
والظاهر أن هؤلاء المقاتلين ليسوا ممن تؤخذ منهم الجزية ، إذ لم يذكر هنا إلا القتال أو الإسلام.