إذَا مَا انتسبنَا لم تلدنِي لئيمةٌ... أي تبينَ أنِّي لم تلدنِي لئيمةٌ بلْ كريمةٌ وقولُه تعالَى: {أَنَّكُمْ فِى العذاب مُشْتَرِكُونَ} تعليلٌ لنفِي النفعِ أي لأنَّ حقكُم أنْ تشتركُوا أنتُم وقرناؤُكم في العذابِ كما كنتُم مشتركينَ في سببه في الدُّنيا ، ويجوزُ أنْ يُسندَ الفعلُ إليهِ لكن لا بمعنى لنْ ينفعَكم اشتراكُكم في العذابِ كما ينفعُ الواقعين في شدائدِ الدُّنيا اشتراكُهم فيها لتعاونِهم في تحملِ أعبائِها وتقسّمِهم لعنائِها لأنَّ لكلَ منُهم ما لا تبلغُه طاقتُه كما قيلَ لأنَّ الانتفاعَ بذلكَ الوجهِ ليسَ مما يخطرُ ببالِهم حتى يردَّ عليهم بنفيهِ بل بمَعْنى لن يحصل لكم التشفِّي بكونِ قرنائِكم معذبينَ مثلَكم حيثُ كنتُم تدعونَ عليهم بقولِكم:
{رَبَّنَا ءاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب والعنهم لَعْناً كَبِيراً} وقولِكم: {قَالَ ادخلوا فِى أُمَمٍ قَدْ} ونظائرِهما لتتشفَوا بذلكَ. كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يبالغُ في المجاهدةِ في دعاءِ قومهِ وهُم لا يزيدونَ إلا غياً وتعامياً عمَّا يشاهدونَهُ من شواهدِ النبوةِ وتصامَّاً عما يسمعونَهُ من بيناتِ القُرآنِ فنزلَ.
{أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِى العمى} وهو إنكارُ تعجيبٍ مِنْ أنْ يكونَ هُو الذي يقدرُ على هدايتِهم وهم قد تمرَّنُوا في الكفرِ واستعرقُوا في الضَّلالِ بحيثُ صارَ ما بهم من العَشَى عمىً مقروناً بالصممِ. {وَمَن كَانَ فِى ضلال مُّبِينٍ} عطفٌ على العُمي باعتبارِ تغايرِ الوصفينِ ، ومدارُ الإنكارِ هو التمكنُ والاستقرارُ في الضلالِ المفرطِ بحيثُ لا ارعواءَ له منه لا توهُم القصورِ من قِبل الهادِي ففيهِ رمزٌ إلى أنَّه لا يقدرُ على ذلكَ إلا الله تعالَى وحدَهُ بالقسرِ والإلجاءِ.