فإن قلت: قد جعل مجيء الحق والرسول غاية للتمتيع ، ثم أردفه قوله: {ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر} ، فما طريقة هذا النظم ومؤداه؟ قلت: المراد بالتمتيع: ما هو سبب له ، وهو اشتغالهم بالاستمتاع عن التوحيد ومقتضياته.
فقال عز وعلا: بل اشتغلوا عن التوحيد {حتى جاءهم الحق ورسول مبين} ، فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها عن غفلتهم لاقتضائها التنبه.
ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق فقال: {ولما جاءهم الحق} ، جاءوا بما هو شر من غفلتهم التي كانوا عليها ، وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق ، ومكابرة الرسول ومعاداته ، والاستخفاف بكتاب الله وشرائعه ، والإصرار على أفعال الكفرة ، والاحتكام على حكمة الله في تخير محمد (صلى الله عليه وسلم) من أهل زمانه بقولهم: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} ، وهي الغاية في تشويه صورة أمرهم.
انتهى ، وهو حسن لكن فيه إسهاب.
والضمير في: وقالوا ، لقريش ، كانوا قد استبعدوا أن يرسل الله من البشر رسولاً ، فاستفاض عندهم أمر إبراهيم وموسى وعيسى ، وغيرهم من الرسل صلى الله عليهم.
فلما لم يكن لهم في ذلك مدفع ، ناقضوا فيما يخص محمداً (صلى الله عليه وسلم) فقالوا: لم كان محمداً ، ولم يكن القرآن ينزل على رجل من القريتين عظيم؟ أشاروا إلى من عظم قدره بالسن والقدم والجاه وكثرة المال.
وقرئ: على رجل ، بسكون الجيم.
من القريتين: أي من إحدى القريتين.
وقيل: من رجل القريتين ، وهما مكة والطائف.
قال ابن عباس: والذي من مكة: الوليد بن المغيرة المخزومي ، ومن الطائف: حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي.
وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة ، وكنانة بن عبد ياليل.
وقال قتادة: الوليد بن المغيرة ، وعروة بن مسعود الثقفي.