يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: بَلْ نَحْنُ نَقْسِمُ رَحْمَتَنَا وَكَرَامَتَنَا بَيْنَ مَنْ شِئْنَا مِنْ خَلْقِنَا، فَنَجْعَلُ مَنْ شِئْنَا رَسُولًا، وَمَنْ أَرَدْنَا صِدِّيقًا، وَنَتَّخِذُ مَنْ أَرَدْنَا خَلِيلًا، كَمَا قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمُ الَّتِي يَعِيشُونَ بِهَا فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا مِنَ الْأَرْزَاقِ وَالْأَقْوَاتِ، فَجَعَلْنَا بَعْضَهُمْ فِيهَا أَرْفَعَ مِنْ بَعْضٍ دَرَجَةً، بَلْ جَعَلْنَا هَذَا غَنِيًّا، وَهَذَا فَقِيرًا، وَهَذَا مَلِكًا، وَهَذَا مَمْلُوكًا {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} .
عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ} «فَتَلْقَاهُ ضَعِيفَ الْحِيلَةِ، عَيِيَّ اللِّسَانِ، وَهُوَ مَبْسُوطٌ لَهُ فِي الرِّزْقِ، وَتَلْقَاهُ شَدِيدَ الْحِيلَةِ، سَلِيطَ اللِّسَانِ، وَهُوَ مَقْتُورٌ عَلَيْهِ»
قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} كَمَا قَسَمَ بَيْنَهُمْ صُوَرَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ تَبَارَكَ رَبُّنَا وَتَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا}
يَقُولُ: لِيَسْتَسْخِرَ هَذَا هَذَا فِي خِدْمَتِهِ إِيَّاهُ، وَفِي عَوْدِ هَذَا عَلَى هَذَا بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ فَضْلٍ، يَقُولُ: جَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بَعْضًا لِبَعْضٍ سَبَبًا فِي الْمَعَاشِ فِي الدُّنْيَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ مَا قُلْنَا فِيهِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"هُمْ بَنُو آدَمَ جَمِيعًا قَالَ: وَهَذَا عَبْدُ هَذَا، وَرَفَعَ هَذَا عَلَى هَذَا دَرَجةً، فَهُوَ يُسَخِّرُهُ بِالْعَمَلِ، يَسْتَعْمِلُهُ بِهِ، كَمَا يُقَالُ: سَخَّرَ فُلَانٌ فُلَانًا"
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ: لِيَمْلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
عَنِ الضَّحَّاكِ:"يَعْنِي بِذَلِكَ: «الْعَبِيدَ وَالْخَدَمَ سَخَّرَ لَهُمْ» ."
وَقَوْلُهُ: {وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَرَحْمَةُ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ بِإِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةَ خَيْرٌ لَهُمْ مِمَّا يَجْمَعُونَ مِنَ الْأَمْوَالِ فِي الدُّنْيَا. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 20/}