{رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] فهي لم تُسلم خوفاً من سليمان، ولا إرضاء له، إنما أسلمتْ معه لله، فأنا وهو سواء في إسلام الوجه لله تعالى.
وعندنا في مصر (شجر الدر) ، وكان لها رأي سديد وحنكة سياسية مكنَّتها من تجاوز الأزمة لمَّا مات زوجها فأخفتْ نبأ موته، وأدارت هي دفّة الحكم حتى لا تفُتّ في عَضُد الجيش الذي كان خارج البلاد في مهمة حربية (شجر الدر) هي التي أوصلتنا بالكعبة وهي التي كسَتْهَا، وهي امرأة.
وهذه الأمثلة ليستْ في تاريخ الإسلام فحسب، إنما أيضاً في الجاهلية وجدنا نساء بارزات لهُنَّ رأي وحكمة تفوق الرجال.
ويُروَى أن أُمامة بنت الحارث بن عمر تزوجتْ من عوف بن مُحلِّم الشيباني وأنجبتْ له بنتاً اسمها أم أُناس، وكانت جميلة، تسامع العرب بجمالها وفصاحتها، فأراد أنْ يتزوجها عمرو بن حُجْر أمير كندة، وكان سيِّداً من سادات العرب.
فقال عمرو لصاحبه ابن سنان: أرأيتَ يا بن سنان لو أنِّي خطبتُ من أيِّ حَيٍّ من العرب أيردُّونني؟ قال: نعم، أعرف مَنْ يردك، قال: مَنْ؟ قال: عوف بن مُحلِّم، قال: فهيا نذهب إليه.
فلما ذهبا ودخلا عليه قال: مرحباً بك يا عمرو، ماذا جاء بك؟ قال: أتيتُكَ خاطباً، قال له: ولكنك لستَ هنالك - يعني: لستَ كُفْؤاً لأنْ تتزوج ابنتي. سمعت امرأة عوف هذا الحوار فقالت له: يا عوف ما رجلٌ جاء إليك راكباً فلم يُطِلْ معك الكلام؟
فقال: إنه عمرو بن حجر سيد من سادات العرب، فقالت: ولماذا لم تستنزله؟ يعني: تستضيفه وتكرمه - قال: لأنه استهجنني، قالت: بماذا؟ قال: أتاني خاطباً، قالت: إنْ كان سيداً من سادات العرب وجاءك خاطباً، فمَنْ تُزوِّج بناتك إنْ لم تُزوِّجهن سادات العرب؟ الحق به واسترضه.
لحق عوفٌ بعمرو وصاحبه ابن سنان وناداه: يا عمرو أربع عليَّ ولك عندي ما تحب، فرجع عمرو وصاحبه، فقال عوف: أتيتني وأنا مُغْضَب وقلتُ لك ما قلتُ، ولكن راجعتُ نفسي، وأخذه إلى البيت.
وكان عند عوف ثلاث بنات: كبرى ووسطى وصغرى. فجاء إلى الكبرى. وقال لها: يا ابنتي إن عمرو بن حُجْر جاء يخطبك، فقالت: لا يا أبي، قال: لم؟ قالت: إنِّي امرأة فيَّ ردة - يعني في وجهي شيء يردُّ الناظر إليها - وفي خُلُقي شدة، والحارث ليس بجار لك ولا أنا بنت عمه، وأخشى إنْ حدث شيء مني أنْ يطلقني فيصبح ذلك سُبَّة لي، قال: قُومي بارك الله فيك.