الحق سبحانه يرد عليهم بهذا الاستفهام الذي يفيد التعجب {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ} [الزخرف: 16] يعني: أيُعقل وهو سبحانه الخالق أنْ يصطفيكم بالبنين وهم الجنس الأعلى ويختصُّ نفسه بالبنات وهُنَّ الجنس الأدنى؟
وفي موضع آخر يقول سبحانه:
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} [النحل: 62] .
ثم يعطينا الحق سبحانه الدليل على كذبهم وافترائهم عليه:
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ ...} .
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ}
قوله تعالى {بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ..} [الزخرف: 17] كناية عن البنات اللاتي نسبوها إلى الله وجعلوها مثيلاً له سبحانه؛ لأن الولد كما قلنا مثيلٌ لأبيه وجُزْءٌ منه، وهم في حين ينسبون لله البنات يكرههن ويسودّ وجه الرجل منهم إذا بُشِّر بالبنت.
{وَهُوَ كَظِيمٌ} [الزخرف: 17] يعني: يملؤه الغيظ والنكد والغم.
إذن: كيف تنسبون لله ما لا تقبلونه لأنفسكم، لذلك عبَّر القرآن عن هذه المسألة بأنها قسْمة جائرة ظالمة، فقال تعالى في سورة النجم:
{أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 21 - 22] .
واختار هذا اللفظ الغريب الذي لم يأت في القرآن إلا مرة واحدة ليدلّ بغرابة اللفظ على غرابة القول الذي قالوه.
{أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}
الهمزة هنا أيضاً للاستفهام، يقول سبحانه: أتستوي عندكم البنت التي تُنشَّأ في الحلية بالولد. ومعنى {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ} [الزخرف: 18] يعني: تُربَّى في الزينة والرفاهية، فالبنت عندنا مثلاً نهتم بها وبملبسها ومظهرها، نُلبسها الحَلَق والأسوْرة والثياب الجميلة على خلاف الولد.
{وَهُوَ فِي الْخِصَامِ ..} [الزخرف: 18] أي: في مواقف الجدل والدفاع {غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18] يعني: ليس له قوة في إظهار الحجة.
إذن: البنت التي نسبوها لله تُربَّى على الرفاهية والنعمة، ولبس الحرير والذهب والزينة، لأنها خُلقَتْ للاستمالة، ونحن نحرص على مظهر البنت وشكلها ونُزيِّنها أولاً وأخيراً لتتزوج.