وحكى القرطبي أن المُبرد قال: الجزء ها هنا البنات ، يقال: أجزأت المرأة ، إذا وَلدت أنثى.
وفي"اللّسان"عن الزجاج أنه قال: أنشدت بيتاً في أن معنى جزء معنى الإناث ولا أدري البيْتَ أقديم أم مصنوع ، وهو:
إنْ أجزأتْ حرةٌ يوماً فلا عجب
قد تُجزئ الحرّة المِذْكَارُ أحياناً...
وفي"تاج العروس": أن هذا البيت أنشده ثعلب ، وفي"اللّسان"أنشد أبو حنيفة:
زُوِّجْتُها من بناتتِ الأوْس مُجْزِئَةً
لِلعَوْسَج الرطْببِ في أبياتِها زَجَل...
ونسبهُ الماوردي في تفسيره إلى أهل اللّغة.
وجزم صاحب"الكشاف"بأن هذا المعنى كَذب على العرب وأن البيتين مصنوعان.
والجعل هنا معناه: الحكم على الشيء بوصفه حكماً لا مستند له فكأنه صنع باليد والصنع باليد يطلق عليه الجعل.
وجملة {إن الإنسان لكفورٌ مبين} تذييل يدل على استنكار ما زعموه بأنه كفر شديد.
والمراد بـ {الإنسان} هؤلاء النّاس خاصة.
والمُبينُ: المُوضِّح كفرَه في أقواله الصريحة في كفر نعمة الله.
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16)
{أم} للإضراب وهو هنا انتقالي لانتقال الكلام من إبطال معتقدهم بنوة الملائكة لله تعالى بما لزمه من انتقاص حقيقة الإلهية ، إلى إبطاله بما يقتضيه من انتقاص ينافي الكمال الذي تقتضيه الإلهية.
والكلام بعد {أم} استفهام ، وهو استفهام إنكاري كما اقتضاه قوله: {وأصفاكم بالبنين} .
ومحل الاستدلال أن الإناث مكروهة عندهم فكيف يجعلون لله أبناءً إناثاً وهلاَّ جعلوها ذكوراً.
وليست لهم معذرة عن الفساد المنجرّ إلى معتقدهم بالطريقتين لأن الإبطال الأول نظري يقيني والإبطال الثاني جدليّ بديهي قال تعالى: {ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذاً قسمةٌ ضيزى} [النجم: 21 ، 22] .
فهذه حجة ناهضة عليهم لاشتهارها بينهم.