ثم بين ما يكون لهم من النعيم، في تلك الروضات، فقال: {لَهُمْ} خبر مقدم {مَا يَشَاءُونَ} مبتدأ مؤخر؛ أي: ما يشتهونه من فنون المستلذات من مآكل ومشارب، ومناظر مما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حاصل لهم {عِنْدَ رَبِّهِمْ} على أن عند ربهم ظرف للاستقرار العامل في {لَهُمْ} ، وقيل: ظرف ليشاؤون على أن يكون عبارة عن كونهم عند الله.
وفي الآية: احتباك، حيث أثبت الإشفاق أولًا، دليلًا على حذف الأمن ثانيًا، وأثبت الجنات ثانيًا، دليلًا على حذف النيران أولًا، كما سيأتي في مبحث البلاغة.
والإشارة في قوله: {ذَلِكَ} إلى ما ذكر للمؤمنين، وهو مبتدأ، خبره جملة قوله: {هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير} ؛ أي: ذاك المذكور من أجر المؤمنين، هو الفضل العظيم، والمن الجسيم، الذي يصغر دونه ما لغيرهم من الدنيا، أو تحقر عنده الدنيا بحذافيرها من أولها إلى آخرها. وهذا في حق الأمة، وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فمخصوص بالفضل العظيم، كما قال تعالى: {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} .
23 - {ذَلِكَ} ؛ أي: الفضل الكبير، وهو مبتدأ، خبره قوله: {الَّذِي} ؛ أي: ذلك الفضل المذكور هو الثواب الذي {يُبَشِّرُ اللَّهُ} سبحانه وتعالى به {عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ؛ أي: يبشرهم به على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فحذف الجار ثم العائد إلى الموصول؛ لأنهم لا يجوزون حذف المفعول الجار والمجرور، إلا على التدريج، بخلاف مثل: السمن منوان بدرهم؛ أي: منه؛ أي: ذلك الذي أخبرتكم بأني أعددته في الآخرة من النعيم، والكرامة، لمن آمن بالله ورسوله وعمل صالح الأعمال. هي البشرى التي أبشركم بها في الدنيا، ليتبين لكم أنها حق، وأنها كائنة لا محالة.
والخلاصة: أن هؤلاء الجامعين بين الإيمان والعمل، بما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، هم المبشرون بتلك البشارة.