{مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف: 51] .
إذن: فكان الذين قالوا إن الإنسان أصله قرد جنودٌ لهذه الآية ودليل على صدقها، فالحق سبحانه يعلم ذلك ويتنبأ لنا به، وها هو يحدث فلا تُصدِّقوهم، إنهم كاذبون بدليل أن الإنسان عاش على هذه الأرض آلاف السنين لم يَرَ إنساناً تحوَّل إلى قرد، ولا قرداً تحوَّل إلى إنسان.
ولقد توصَّل العلم الحديث إلى صدق القرآن في مسألة خَلْق الإنسان من طين الأرض، حيث وجدوا أن عناصر تكوين الإنسان هي نفس عناصر تكوين الأرض، وهي ستة عشر عنصراً، وحين يموت الإنسان تتحلَّل هذه العناصر وتذوب في الأرض، فأجزاؤه موجودة يعلمها الله ويُحصيها وهو وحده القادر على إعادتها.
واقرأ:
{قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [ق: 4] فالمسألة صعبة بالنسبة لك، لكنها سهلة هيِّنة على الخالق سبحانه، فهو عز وجل يعلم كم نقص منك من عناصر ومقدار هذه العناصر ونحن بنو البشر نختلف في أشكالنا وألواننا، لكن المادة واحدة هي الستة عشر عنصراً في الكل، لكن الجزاء تختلف، ونسبة هذه العناصر تختلف من إنسان لآخر، ولذلك تختلف شخصياتنا.
فقوله:
{قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ ..} [ق: 4] يعني: كم أخذتْ منك من الأكسوجين، وكم أخذت من الكربون، وكم أخذت من الحديد .. وهكذا فهي إذن مقادير معلومة في علم الله سبحانه وفي هذا الكتاب الحفيظ الذي يحفظ كل شيء بكل دقَّة، وحفيظ فعيل يعني: صيغة مبالغة من الحفظ. فلا تُكذِّب بالبعث، وخُذْ مما ترى دليلاً على صِدْق ما أخبرك ربُّك به من الغيبيات.
قلنا: لو أن إنساناً يزِنُ مائة كيلو مثلاً ثم مرض، فنزل وزنه إلى ستين، فكم فقد من وزنه؟ فقد أربعين، أين هي؟ نزلتْ فضلات إلى الأرض، نعم، ثم ذهب إلى الطبيب فعالجه وشفاه الله وبدأ يأكل حتى عاد إلى وزنه الأول.
هل أخذ نفس العناصر ذاتها التي فقدها؟ لا بل أخذ مثلها، مثل المريض مثلاً بنقص الحديد فيعطيه الطبيب دواء غنياً بالحديد حتى تعتدل عنده نسبة الحديد في الدم، إذن: أخذ نفس العناصر التي فقدها من عنصر الحديد، لكن ليستْ هي هي التي فقدها من قبل.