صدر الكتاب من وصف الجملة إنما هو أمره وخلقه، والمخلوق إنما قامه بالأمر
والأمر إنما قيامه به - عز وجل - (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) .
(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً)
فالتضرع ظاهر في مقابله، والخفية باطنة في مقابلة وجود الأمر وكذلك قوله:
(وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) باطن لباطن وظاهر لظاهر.
توصيل: قد تقدم من وصف التوصيل ما يشرف بذوي الألباب على حقيقة
الصواب، وكذلك قد مضى فيما تقدم من جريان صنعه إلى المصنوع إيجادًا وإفناءً
كجريان الماء إلى صببه بل أسرع إسراعًا من ذلك دون توهم نسبهّ، حتى يعبر عن
ذلك الإمساك.
قال الله - عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا)
وحتى قد تظن العقول أن ظاهر ما تقع عليه الأبصار من استصحاب
دوام يكون لها وبقاء، وقد أكذب الله ظاهر الظنون بقوله الحق:(وَتَرَى الْجِبَالَ
تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ).
يقول - عز من قائل: على هذا (أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) ونصب صنع لما فيه من المدح
والتعجيب، كيف لا يكون معجبًا وهو ممسك أبدًا مساك أبدًا يجري إليه التدبير
إعدامًا وإيجادًا أسرع من إدراك الأبصار؟! على هذا أتقن كل شيء، كالشمس والقمر
والنجوم والسحاب والرياح، كل يجري إلى أمره بأمره، فمنه ما هو ظاهر الجري
باطن السكون، ومنه ما هو ظاهر السكون باطن الجري (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) . فهذا توصيل آخر ولقد كان يكفي أحدهما
لمن به حياة.
(توصيل آخر) :
قد تقدم من ذكر دوائر الجملة ومجاري الأمر وإحكام ذلك في معاقده
ومعاطفه وفنون الموجودات ظاهرًا وباطنًا لموجدها وعبادتها لبارئها، وإلى هذا
فاعلم أن العرش العظيم فوق كل شيء سواه، وفي كل سماء عرش والله - جلَّ جلالُه - وتعالى
علاؤه فوق العرش مستوٍ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) فهو مع كل شيء بما