وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ) ، أي: كنتم لا تقتدرون أن تستتروا من سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، فأحد لا يستطيع أن يستتر من نفسه إذا عمل شيئًا، فذلك ظنكم أن ظنتتم أن اللَّه لا يعلم كثيرًا مما تعملون في السر.
وقوله: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ(23)
أي: وذلكم جهلكم على ما ظننتم بأن اللَّه - تعالى - لا يعلم ذلك، وهو لا يخفى عليه خافية، فظنكم ذلك أرداكم، أي: أغواكم وأضلكم عن الهدى.
وقال قتادة: يا ابن آدم، إن عليك لشهودا غير متهمة: من بدنك، فراقبهم، واتق الله في سر أمرك وعلانيتك؛ فإنه لا يخفى عليه خافية: الظلمة عنده ضوء، والسر عنده علانية، ومن استطاع أن يموت وهو باللَّه حسن الظن ولا قوة إلا باللَّه.
ثم قال: الظن ظنان: ظن منجٍ، وظن مردٍ، فأما المنجي فقوله: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) الآية، وما قال: (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ) ، وأمَّا الظن المردي فقوله: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ) ، وقوله: (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا) ، ونحوه.
قال: وذكر أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يقول ويحدث ذلك عن ربه تعالى:"عبدي، أنا عند ظنك بي، وأنا معك إذا دعوتني".
وقال الحسن: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن بربه الظن، فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق، فأساء به الظن؛ فأساء العمل، ثم تلا قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ...) الآية، وقال: الجلود: كناية عن الفروج.