{حتى إِذَا مَا جَاءوهَا} أي: جاءوا النار التي حشروا إليها ، أو موقف الحساب ، و"ما"مزيدة للتوكيد {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأبصارهم وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في الدنيا من المعاصي.
قال مقاتل: تنطق جوارحهم بما كتمت الألسن من عملهم بالشرك ، والمراد بالجلود هي: جلودهم المعروفة في قول أكثر المفسرين.
وقال السدّي ، وعبيد الله بن أبي جعفر ، والفراء: أراد بالجلود الفروج ، والأوّل أولى {وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} وجه تخصيص الثلاثة بالشهادة دون غيرها ما ذكره الرازي أن الحواس الخمس وهي: السمع ، والبصر ، والشم ، والذوق ، واللمس ، وآلة المس هي الجلد ، فالله سبحانه ذكر هنا ثلاثة أنواع من الحواس ، وهي: السمع ، والبصر ، واللمس ، وأهمل ذكر نوعين ، وهما: الذوق ، والشم ، فالذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه ، لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان مماسة لجرم الطعام ، وكذلك الشم لا يتأتى حتى تصير جلدة الحنك مماسة لجرم المشموم ، فكانا داخلين في جنس اللمس ، وإذا عرفت من كلامه هذا وجه تخصيص الثلاثة بالذكر عرفت منه وجه تخصيص الجلود بالسؤال ، لأنها قد اشتملت على ثلاث حواس ، فكان تأتي المعصية من جهتها أكثر وأما على قول من فسر الجلود بالفروج ، فوجه تخصيصها بالسؤال ظاهر ، لأنه ما يشهد به الفرج من الزنا أعظم قبحاً ، وأجلب للخزي والعقوبة ، وقد قدّمنا وجه إفراد السمع ، وجمع الأبصار {قَالُواْ أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْء} أي: أنطق كلّ شيء مما ينطق من مخلوقاته ، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح.
وقيل: المعنى: ما نطقنا باختيارنا ، بل أنطقنا الله ، والأوّل أولى {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} قيل: هذا من تمام كلام الجلود.