يَقُولُ: «وَمَا كُنْتُمْ تَظُنُّونَ» {أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ} حَتَّى بَلَغَ {كَثِيرًا مِمَّا} كُنْتُمْ {تَعْمَلُونَ} ، «وَاللَّهِ إِنَّ عَلَيْكَ يَا ابْنَ آدَمَ لَشُهُودًا غَيْرَ مُتَّهِمَةٍ مِنْ بَدَنِكَ، فَرَاقِبْهُمْ وَاتَّقِ اللَّهَ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، الظُّلْمَةُ عِنْدَهُ ضَوْءٌ، وَالسِّرُّ عِنْدَهُ عَلَانِيَةٌ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ بِاللَّهِ حَسَنُ الظَّنِّ فَلْيَفْعَلْ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» .
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ، فَتَتْرُكُوا رُكُوبَ مَحَارِمِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا حَذَرًا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَأَبْصَارُكُمُ الْيَوْمَ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ مَعَانِي الِاسْتِتَارِ الِاسْتِخْفَاءُ
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَسْتَخْفِي الْإِنْسَانُ عَنْ نَفْسِهِ مِمَّا يَأْتِي؟
قِيلَ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْأَمَانِيُّ، وَفِي تَرْكِهِ إِتْيَانَهُ إِخْفَاؤُهُ عَنْ نَفْسِهِ
وَقَوْلُهُ: {وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَكِنْ حَسِبْتُمْ حِينَ رَكِبْتُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمُ الْخَبِيثَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَسْتَتِرُوا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَأَبْصَارُكُمْ وَجُلُودُكُمْ، فَتَتْرُكُوا رُكُوبَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ مِنْ أَجْلِ نَفَرٍ تَدَارَءُوا بَيْنَهُمْ فِي عِلْمِ اللَّهِ بِمَا يَقُولُونَهُ وَيَتَكَلَّمُونَ سِرًّا.