عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:"كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَدَخَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، كَثِيرٌ شُحُومُ بُطُونِهِمَا، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمَا، فَتَكَلَّمُوا بِكَلَامٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ فَقَالَ الرَّجُلَانِ: إِذَا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا سَمِعَ، وَإِذَا لَمْ نَرْفَعْ لَمْ يَسْمَعْ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ} ... إِلَى آخِرِ الْآيَةِ"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهَذَا الَّذِي كَانَ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ ظَنِّكُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ مِنْ قَبَائِحِ أَعْمَالِكُمْ وَمَسَاوِئِهَا، هُوَ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ فِي الدُّنْيَا أَرْدَاكُمْ، يَعْنِي أَهْلَكَكُمْ. يُقَالُ مِنْهُ: أَرْدَى فُلَانًا كَذَا وَكَذَا: إِذَا أَهْلَكَهُ، وَرَدِيَ هُوَ: إِذَا هَلَكَ، فَهُوَ يَرْدَى رَدًى؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
أَفِي الطَّوْفِ خِفْتِ عَلَيَّ الرَّدَى ... وَكَمْ مِنْ رَدٍ أَهْلَهُ لَمْ يَرِمْ
يَعْنِي: وَكَمْ مِنْ هَالِكٍ أَهْلَهُ لَمْ يَرِمْ
عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: تَلَا الْحَسَنُ: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} فَقَالَ: إِنَّمَا عَمِلَ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ ظُنُونِهِمْ بِرَبِّهِمْ؛ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَأَحْسَنَ بِاللَّهِ الظَّنَّ، فَأَحْسَنَ الْعَمَلَ؛ وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَأَسَاءَا الظَّنَّ فَأَسَاءَا الْعَمَلَ، قَالَ رَبُّكُمْ: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ} ... حَتَّى بَلَغَ: {الْخَاسِرِينَ} قَالَ مَعْمَرٌ: وَحَدَّثَنِي رَجَلُّ:"أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِرَجُلٍ إِلَى النَّارِ، فَيَلْتَفِتُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا كَانَ هَذَا ظَنِّي بِكَ، قَالَ: وَمَا كَانَ ظَنُّكَ بِي؟ قَالَ: كَانَ ظَنِّي أَنْ تَغْفِرَ لِي وَلَا تُعَذِّبَنِي، قَالَ: فَإِنِّي عِنْدَ ظَنِّكَ بِي"