فالمعنى: ويُطعمون الطعام رغم أنهم في حاجة إليه، فكأن الجوع يطلب أنْ تأكل لكن حبّ الخير والصدقة يعلو عندك على الجوع وحب الطعام، لماذا؟ لأنك قدَّرْتَ الجزاء الأوفى عليه، وما دُمْتَ قدَّرت الجزاء الأوفى على إطعام الطعام، فقد غَلبتَ حبك للطعام وعلوت عليه، لذلك قال سبحانه:
{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ .. } [الحشر: 9] .
كذلك في قوله تعالى:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ .. } [إبراهيم: 39] (على) هنا لا تعني وهب لي مع أنّي كبير لا أصلح للإنجاب، إنما المعنى: وهب لي على الكِبَر، فكأن الكبر ضعف يقتضي عدم الإنجاب، ولكن هبة الله وفضله علا على الضعف وعلا على الكبر كما جعل زكريا ينجب يحيى عليهما السلام!!
كذلك في قوله تعالى:
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ .. } [الرعد: 6] فكأن الظلم كان يقتضي العقوبة، لكن مغفرة الله عَلَتْ على الظلم.
ثم يقول سبحانه: {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [فصلت: 17] الصاعقة قلنا: هي كلُّ ما يصعق ويدمر، سواء كان بالريح أو النار، أو الصيحة المدمرة، والعذاب الهون أي: المصحوب بالإهانة والخزي {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [فصلت: 17] يعني: وقع لهم هذا بسبب ما كسبوا، وما اقترفته أيديهم. يعني: جزاءً وفاقاً، لا ظلماً وعدواناً.
{وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ}
كثيراً ما نجد أسلوب القرآن الكريم يجمع بين الشيء ونقيضه ليبرز المعنى وبضدها تتميز الأشياء، يقول تعالى:
{إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13 - 14] هذه مقابلة يوضح فيها كلّ معنى المعنى المقابل، كذلك هنا بعد أنْ حدَّثنا الحق سبحانه عن بعض المكذِّبين المعاندين أردف ذلك بالكلام عن المؤمنين المتقين، وما آلوا إليه من الفوز والنجاة، فقال سبحانه: {وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ} [فصلت: 18] . انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ} ...