وإيضاح هذا الجواب: أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم {قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَاب} [فصلت: 5] يقصدون بذلك إخباره صلى الله عليه وسلم بأنهم لا يؤمنون به بوجه ، ولا يبتعونه بحال ، ولا يقرون بالحق الذي هو كون كفرهم هذا هو الجريمة ، والذنب الذي كان سبباً في الأكنة ، والوقر والحجاب.
فدعواهم كاذبة ، لأن الله جعل لهم قلوباً يفهمون بها ، وآذاناً يسمعون بها ، خلافاً لما زعموا ، ولكنه ، سبب لهم الأكنة ، والوقر والحجاب ، بسبب مبادرتهم إلى الكفر ، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذا المعنى أوضحه رده تعالى على اليهود في قوله عنهم: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155] .
وقد حاول الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة ، الجواب على الإشكال المذكور فقال: فإن قيل إنه تعالى حكى هذا المعنى عن الكفار فقال في معرض الذم ، وذكر أيضاً ما يقرب منه في معرض الذم ، فقال:
{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِم} [البقرة: 88] ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء الثلاثة بعينها في معنى التقرير والإثبات في سورة الأنعام ، فقال: {وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وفي آذَانِهِمْ وَقْراً} [الأنعام: 25] فكيف الجمع بينهما؟
قلنا: إنه لم يقل ها هنا إنهم كذبوا في ذلك ، إنما الذي ذمهم عليه ، أنهم قالوا إنا إذاً كنا كذلك ، لم يجز تكليفنا وتوجيه الأمر والنهي علينا ، وهذا الثاني باطل.
أما الأول: فلأنه ليس في الآية ما يدل على أنهم كذبوا فيه. اه منه. والأظهر: هو ما ذكرنا.
قال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت: 5] .