وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: {صَرْصَرًا} إِنَّمَا هُوَ صَوْتُ الرِّيحِ إِذَا هَبَّتْ بِشِدَّةٍ، فَسُمِعَ لَهَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ: صَرَرَ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ التَّضْعِيفِ الَّذِي فِي الرَّاءِ، فَقَالَ ثُمَّ أُبْدِلَتْ إِحْدَى الرَّاءَاتِ صَادًا لِكَثْرَةِ الرَّاءَاتِ، كَمَا قِيلَ فِي رَدَّدَهُ: رَدْرَدَهُ، وَفِي نَهَّهَهُ:
نَهْنَهَهُ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ:
[البحر الرجز]
فَالْيَوْمَ قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهِي ... أَوَّلُ حِلْمٍ لَيْسَ بِالْمُسَفَّهِ
وَكَمَا قِيلَ فِي كَفَّفَهُ: كَفْكَفَهُ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:
[البحر الوافر]
أُكَفْكِفُ عَبْرَةً غَلَبَتْ عُدَاتِي ... إِذَا نَهْنَهْتُهَا عَادَتْ ذُبَاحَا
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ النَّهَرَ الَّذِي يُسَمَّى صَرْصَرًا، إِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لَصَوْتِ الْمَاءِ الْجَارِي فِيهِ، وَإِنَّهُ فَعْلَلَ مِنْ صَرَرَ نَظِيرِ الرِّيحِ الصَّرْصَرِ.
وَقَوْلُهُ: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ النَّحِسَاتِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا الْمُتَتَابِعَاتُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْمَشَائِيمُ
عَنْ قَتَادَةَ: «أَيَّامٍ وَاللَّهِ كَانَتْ مَشْؤُومَاتٍ عَلَى الْقَوْمِ»
وقَالَ:"النَّحِسَاتُ: الْمَشْؤُومَاتُ النَّكِدَاتُ"
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَيَّامٌ ذَاتُ شَرٍّ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"النَّحْسُ: الشَّرُّ؛ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحَ شَرٍّ لَيْسَ فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ"
وَقَالَ آخَرُونَ: النَّحِسَاتُ: الشِّدَادُ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ عَنَى بِهَا: أَيَّامٍ مَشَائِيمَ ذَاتِ نُحُوسٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَعْنَى النَّحِسِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ غَيْرُ نَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَقَرَأَهُ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو: (نَحْسَاتٍ) بِسُكُونِ الْحَاءِ وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو فِيمَا ذُكِرَ لَنَا عَنْهُ يَحْتَجُّ لِتَسْكِينِهِ الْحَاءَ بِقَوْلِهِ: {يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} وَأَنَّ الْحَاءَ فِيهِ سَاكِنَةٌ