قال الطبري: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن اللَّه تعالى أخبر أنه قدَّر في الأرض أقوات أهلها، وذلك ما يقوتهم من الغذاء، ويصلحهم من المعاش، ولم يخصص جلَّ ثناؤه بقوله: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} أنه قدَّر قوتًا دون قوت، بل عم الخبر عن تقديره فيها جميع الأقوات، ومما يقوت أهلها ما لا يصلحهم غيره من الغذاء، وذلك لا يكون إلا بالمطر والتَّصَرُّف في البلاد لما خصَّ به بعضًا دون بعض، ومما أخرج من الجبال من الجواهر، ومن البحر من المآكل والحليِّ، ولا قول في ذلك أصح مما قال جلَّ ثناؤه: قدَّر في الأرض أقوات أهلها، لما وصفنا من العلة.
الوجه السادس: حقائق القرآن تتحدث عن نشأة الكون.
هناك مراحل لنشوء الكون، ولكن نتوقف قليلًا لكي نقارن بين الحقائق المذكورة في الآيات القرآنية مع ما توصل إليه العلماء من حقائق.
1 -قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} .
قال ابن تيمية: فأخبر أنه استوى إلى السماء وهي دخان؛ قيل: هو البخار الذي تصاعد من الماء الذي كان عليه العرش؛ فإن البخار نوع من الدخان.
فقد ذكرت الآية القرآنية التي هي عنوان هذا الباب أن الكون كان على شكل مادة دخانية في مرحلة نشوئه الأولى، وذلك في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} ، والمقصود بالسماء في هذه الآية هو الفضاء الذي امتلأ بالدخان الناتج عن الانفجار الكوني العظيم، وليست السماء التي ستتكون من هذا الدخان لاحقًا فلم يكن ثَمَّةَ سماء قبل ذلك، وقد أطلق العلماء على هذه السحابة من الجسيمات الأولية اسم الغبار الكوني، بينما سماها القرآن الدخان والتسمية القرآنية أدقُّ من تسمية العلماء؛ فالجسيمات الأولية أصغر من أن تكون غبارًا وحتى دخانًا، ولكن الدخان هو أصغر وأخف شيء يمكن أن تراه أعين البشر، ولا بد هنا من أن نسأل الذين لا يؤمنون باللَّه أو الذين لا يصدقون بأن هذا القرآن منزل من عند اللَّه السؤال التالي وهو: من أين جاء هذا النبي الأمي الذي عاش في أمة أمية بهذه الحقيقة الكبرى عن حال الكون عند بداية خلقه والتي ظلت مجهولة إلى أن كشفها اللَّه على أيدي خلقه في هذا الزمان فقط؟