كلمة {اسْتَوَى ..} [فصلت: 11] إنْ كانت للعرش يقول: استوى على، وإنْ كانت للسماء قال: استوى إلى، البعض فَهِمَ استوى على أنه كاستواء المخلوق على الكرسي فوقعوا في التشبيه والتجسيم، أما استوى إلى السماء يعنيك قصدها وتوجَّه إليها بإرادته سبحانه.
ذلك لأن العرش في الموجودات سمة التمكُّن من الحكم واستتباب الأمر للحاكم، فالحاكم إنْ كان عليه مشاغبات لا يستقر على العرش ولا يستتب له أمر الملْك إلا إذا دَانَ له الجميع وخضعوا.
لذلك قال في بلقيس:
{وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] يعني: استتبَّ لها الأمر، فكلمة (استوى على العرش) دلتْ على أن الكون كله استجاب له وانقاد لأمره دون منازع؛ لذلك قال هنا عن السماء والأرض {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] .
وللعلماء في الاستواء عدة مقالات جمعها الناظم في قوله:
وَلَهُمْ مَقالاَتٌ عَليْهَا أرْبَع ... قَدْ حُصِّلَتْ للفَارسِ الطّعَّانْ
وَهْيَ اسْتَقرَّ وَقَدْ عَلاَ وكَذاكَ ... قَدْ صَعَد الذِي هُوَ رابِعْ
فالمعنى هنا {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ ..} [فصلت: 11] أي: قصدها وتوجَّه إليها بإرادته تعالى، واستوى على العرش يعني: استقر له الأمر واستتبَّ، لأن كل الوجود استجاب له وانقاد، فلما قال للأرض وللسماء: {ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] .
لذلك قلنا: إن الحق سبحانه لم يُقبل على قوله (كَنْ) إلا لعلمه تعالى أن شيئاً من مُلْكه لن يتخلف عن الاستجابة لأمره؛ لذلك قال
{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق: 2] يعني: فقط تسمع النداء فتستجيب فوراً، لذلك شهد الله لذاته بذلك:
{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ..} [آل عمران: 18] وبشهادته سبحانه لنفسه أنه لا إله إلا هو قال لكل شيء: كُنْ فكان. وبعد ذلك شهدتْ الملائكة، وشهد أولو العلم.
وقوله: {وَهِيَ دُخَانٌ ..} [فصلت: 11] أي: على هيئة الدخان الذي يسميه العلماء السَّديم، والمراد أن الكون كان على هيئة غازية، ومن هذه المادة الغازية تكوَّنت الأرض والصخور والجبال. وبعد أنْ تكوَّنتْ السماء والأرض أمرهما الخالق سبحانه {ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً.} [فصلت: 11] فكان الردّ {أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] .