وقد اتخذ الكفارُ آلهةً متعددة ليُرضوا ما في أنفسهم من عاطفة التديُّن، وليكون لهم إله معبود بلا منهج وبلا تكاليف، لذلك قلنا: إن من الوسطية في ديننا أنه يؤمن بإله واحد، في حين يوجد مَنْ يؤمن بآلهة متعددة، ويوجد مَنْ ينكر الإله بالمرة، فجاء الدين الإسلامي وبيَّن أن الإله واحد.
وما دام هو إله واحد {فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ..} [فصلت: 6] استقم يعني: سِرْ على حدّ الاستقامة لا تميل هنا ولا هناك. قالوا: كان رجل من طيء، اسمه ابن بندر رأى شاباً بيته هنا، لكن لا يذهب إليه من الطريق المعتاد المستقيم، إنما يدور في طرقات القرية ليذهب إلى بيته.
فعرف من ذلك أن الشاب يقصد بدورانه في الطرقات شيئاً مريباً، فقال له: يا هذا استقم إلى بيتك يعني: اذهب إليه من الطريق المستقيم، عندها عرف الشاب أن الرجل (فقسه) وعرف قصده غير الشريف فارتدع.
كذلك قوله تعالى: {فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ ..} [فصلت: 6] يعني: اقصدوه من طريق الاستقامة، وسمَّى طريقه الصراط المستقيم، وقد أثبت العلم أن الطريق المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين، ثم إن الطريق المستقيم قد يكون ضيقاً يجبرك على الاستقامة عليه، وقد يكون واسعاً يسمح بالميل يميناً ويساراً (أوتوستراد) .
فإنْ كان واسعاً فاستقم فيه أيضاً لتقصر على نفسك مسافة الوصول، لأنك حين تميل تزيد المسافة، لذلك قال:
{سَوَآءَ السَّبِيلِ} [البقرة: 108] يعني: في وسطه دون ميل، بحيث يكون ما على يمينك مثل ما على شمالك، فمرة قال
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] ومرة قال
{سَوَآءَ السَّبِيلِ} [البقرة: 108] .
فقوله تعالى: {فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ ..} [فصلت: 6] أي: بدايةً، فإنْ أصابتكم غفلة عن المنهج واقترفتم شيئاً {وَاسْتَغْفِرُوهُ ..} [فصلت: 6] أي: اطلبوا منه المغفرة.
{وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ..} [فصلت: 6 - 7] لأن الاستغفار طلب مَحْو الشيء السابق، والقاعدة الشرعية تقول: إن درء المفسدة مُقدَّم على جَلْب المصلحة. ومثَّلنا لذلك بواحد يريد أنْ يرمي لك تفاحة، وواحد يريد أن يرميك بحجر فأيهما أَوْلى، الأَوْلَى دَفْع الحجر، فقال {وَاسْتَغْفِرُوهُ ..} [فصلت: 6] ليتم لكم مسْح الذنوب، ولُتنشئوا مع الله علاقة جديدة قائمة على الطاعة والاستقامة.